fbpx
مقالات

لقاء غانتس عباس.. الأمني مُقدّم على الأيديولوجي

يتضح جليًا أن الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية المشتعلة جعلت من الرؤية الأمنية الإسرائيلية تتقدم على الرؤية الأيدلوجية المتشددة وتفرض نفسها فرضًا على الساحة السياسية الإسرائيلية، لذلك لا نحتاج للكثير من الغوص في عمق المشهد السياسي وتحليله من أجل الوصول إلى كشف خبايا الزيارة الخاطفة العاجلة، ودون اعلان مسبق لرئيس “سلطة أوسلو” محمود عباس إلى منزل وزير الأمن الإسرائيلي بيني غانتس في مدينة “رأس العين” ليلة الأربعاء، لعقد لقاء بينهما استمر زهاء ساعتين ونصف الساعة، وبحضور وزير الشؤون المدنية الفلسطينية، حسين الشيخ، ورئيس المخابرات الفلسطينية، ماجد فرج، ومنسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، غسان عليان، فالعنوان البارز لهذا اللقاء: منع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية.

الجانبان، الإسرائيلي والفلسطيني، اتفقا على عدم التقاط صور من اللقاء تحسبًا لاعتبارات وحسابات إسرائيلية من شأنها أن تُحرج أركان حكومة الائتلاف المؤمنين بالفكرة السياسية “أرض إسرائيل الكاملة” ومن اليمين الأيديولوجي المتشدد المعارض لقيام دولة فلسطينية والتي تعارض بشدة لأي لقاء إسرائيلي فلسطيني ولا تحت أي مبرر كان، أمثال “الرجل” القوي في الحكومة، وزيرة الداخلية الإسرائيلية؛ آييلت شاكيد، وليس تحسبًا لاعتبارات فلسطينية أبدًا، فإن هذه الزيارة بالنسبة لأبو مازن وأركان “سلطة أوسلو” التي يترأسها تعتبر إنجازا ما بعده انجاز، وكيف وأيضًا وقد أهدى غانتس عباس زجاجة زيت زيتون “إسرائيلي” وغير مستبعد أن تكون من زيت زيتون مدينة صفد، مسقط رأس محمود عباس التي أعلن التخلي عن العودة إليها، وهو القائل أيضا “إسرائيل وجدت لتبقى”.

التخوفات الإسرائيلية لما يحدث في الضفة المشتعلة ومن اندلاع انتفاضة عارمة بدأت ملامحها تظهر جليًا ومن تداعياتها على حاضر ومستقبل الأمن الإسرائيلي، جعلت الرؤية الأمنية تتقدم على الرؤية الأيدلوجية المتشددة، وذلك رغم التخوفات من أن أي حسم موقف مُعين تجاه السلطة الفلسطينية قد يؤدي إلى تفكيك حكومة الإئتلاف “متعددة الرؤوس” والمتباينة أيديولوجيًا وسياسيًا فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية عمومًا، أو السلطة الفلسطينية “سلطة أوسلو” خصوصًا. وهذا تحديدًا ما عبّر عنه وزراء إسرائيليون بقولهم: “إن تصرف غانتس لا يسهم في استقرار الحكومة الإسرائيلية”.

لذلك، فإن استضافة وزير الأمن الإسرائيلي غانتس لمحمود عباس مع وفد فلسطيني مرافق في منزله في مدينة “رأس العين” تمّ بالتنسيق مع مكتب رئيس الحكومة نفتالي بينيت، زعيم الحزب اليميني الديني المتشدد، الذي لا يترك مناسبة إلا ويجدد خطابه اليميني في بُعديه السياسي والاستيطاني الذي يؤكد على رفضه إقامة دولة فلسطينية أو لقاء رئيس “سلطة أوسلو” محمود عباس. وهو أيضا-بينت- الذي قال غداة لقاء جمع بين عباس وغانتس في رام الله بالضفة الغربية نهاية شهر آب الماضي، إنه “ليست هناك عملية سياسية مع الفلسطينيين، ولن تكون هناك مثل هذه العملية”.

أمام الأوضاع الأمنية المتدهورة في الضفة الغربية والمرشحة للمزيد من التصعيد وانتشار رقعتها، لا سيّما وأن هناك ارتفاعًا حادًا في العمليات الفدائية شهدتها الضفة الغربية في العام 2021، فإن هناك مصلحة مشتركة للاحتلال الإسرائيلي والجانب الفلسطيني المتمثل بـ “سلطة أوسلو” تقضي بالحفاظ على الدور الوظيفي لـ “سلطة أوسلو” وبقاء محمود عباس، الذي يرى الاحتلال الإسرائيلي فيه عاملًا مهمًا للاستقرار من خلال حرصه على “التنسيق الأمني” معه، وذلك بعيدًا عن الخوض مجدّدا في مراحل المفاوضات المجمدة منذ العام 2014، هذا من جانب. ومن جانب آخر، خوفًا من انهيار السلطة، وفي محاولة لمنع تدهور أمني قد ينتج عن ذلك لاحقًا، على اعتبار أن البديل سيكون استيلاء حركة “حماس” على الضفة الغربية، وهذا ما يلتقي معه أيضًا عنوان الرؤية الأمنية الإسرائيلية، رئيس جهاز المخابرات رونين بار، الذي حذّر مؤخرًا من إمكانية انهيار “سلطة أوسلو” التي ظلّت تغرّد خارج السرب، ولا تعكس النبض الحقيقي للشعب الفلسطيني، في وقت تتعزز مكانة حركة “حماس” خصوصًا، ويتصدر تيار المقاومة عمومًا المشهد الفلسطيني، لا سيّما بعد الحرب الأخيرة التي شنّتها تل أبيب على قطاع غزة في مايو/أيار الماضي.

ختاما، فإنه ليس من السهل أبدًا على حكومة الإئتلاف الإسرائيلية برئاسة نفتالي بينت، التي تطغى عليها الرؤية الأيدلوجية المتشددة والتي تتسم بموقفها الواضح بعدم الترحيب بمبادرات لتسوية سياسية مع الجانب الفلسطيني المتمثل بـ “سلطة أوسلو” والتي أعلنت مرارًا وتكرارًا عن عدم نيتها الالتقاء بمحمود عباس، أن تسمح لوزير الأمن الإسرائيلي غانتس أن يستضيف عباس في منزله لإغرائه ببعض الامتيازات والتسهيلات الاقتصادية والمدنية وعلى رأسها إضافة العشرات من تصاريح VIP لكبار المسؤولين في السلطة، لولا أن الرؤية الأمنية الإسرائيلية فرضت نفسها فرضًا على الرؤية الأيدلوجية المتشددة وأجبرتها على ابتلاع الغضب (مكره أخاك لا بطل) والتراجع قليلا عن أيدلوجية الصراع لصالح الأمن من أجل محاصرة المقاومة المسلحة التي بدأت تعود إلى الضفة وشبابها، الأمر الذي يهدد الأمن الإسرائيلي العام ووجوده ووجود عباس في نفس الوقت.

ساهر غزاوي

كاتب وصحفي فلسطيني من مدينة الناصرة، درس بكالوريوس في العلوم الاجتماعية والإنسانية (دراسات الشرق الأوسط) في الجامعة المفتوحة، وماجستير علوم سياسية (السياسة في الشرق الأوسط في العصر الحديث) في جامعة حيفا. مهتم بدارسة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل عام والحالة السياسية والاجتماعية في المجتمع العربي في مناطق الـ 48.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى