في معنى الوطن والوطنية


  • الجمعة 24 سبتمبر ,2021
  • 1151 مشاهدة
في معنى الوطن والوطنية

والوطن هو موطن الإنسان ومحله، فهو المكان الذي يتخذه الناس مكانا للعيش فيه، وهو المكان الذي تولد فيه فيصبح لك موطِنا. على ذلك فكل مكان تتخذه مجموعة من الناس مستقرًا لها ومسكنًا ومُقاما فهو وطنها. وقد اصطلح الناس فيما يسمى بـ “العقد الاجتماعي” أن للوطن حدودًا جغرافية لها ضوابطها ولها حرمتها، فهو لأهل المكان دون غيرهم، وهم على ذلك مواطنون ينتمون إلى ذلك المكان، يألفونه وترتاح فيه نفوسهم لما لهم فيه من آثار وذكريات، ثمّ إن الوطن تحوّل عند مجموعات من الناس إلى مسألة ذات بُعد سياسي، حتى أصبح الوطن والوطنية ملجأ هذه المجموعات في نشاطها السياسي والجماهيري لا تعرف غيره، فحشرت ذاتها داخل قوقعته تلف وتدور فيها فلا تخرج منها إلا إليها، وهذا من أعجب ما يمكن أن يصوّر لك قصور العقول ووقوفها عند هذا الحد الضيّق، فلا تريد أن تتجاوزه إلى ما هو أوسع منه وأكبر وأشمل.

فهل الوطن والوطنية هو أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها الإنسان ويطمح؟ وهل “الوطنية” هي أرقى المراتب في الأداء والعمل؟

علينا أولا أن نفرّق بين ضرورة حرص الفرد والمجموعة على الوطن والدفاع عنه وحمايته والحفاظ على مقدراته وثرواته وأرواح أبنائه وكل ما يدور حول هذه المعاني، لأن من حق الإنسان أن يعيش في “وطنه” آمنًا هانئًا مستقرًا غير خائف ولا مهدَّد، وبين أن تجعل الوطن والوطنية أقصى ما يمكن أن تصل إليه البشرية فيكون الولاء التام له دون غيره من الولاءات، وكأنه مقدس من المقدسات.

في الحقيقة إن مسألة الوطن والولاء له دون غيره هي مرتبة “متطورة” للقبلية أو العائلية، فما الفرق بين ولاء المرء لقبيلته أو عائلته وبين ولائه للوطن المحدود بحدود جغرافية معروفة؟ ومن ثم فإن “الوطنية” بالمفهوم الذي يمارسه بعض الناس وتعيش عليه أحزاب وأطر سياسية هي في الحقيقة نوع من القبلية لكنها أكبر حجمًا، وربما أكثر تمدّنًا، وتجد بعض الناس قد جعل من “الوطنية” دينا يتَّبعه “ويتعبّد” به، حتى أصبح العمل “الوطني” شهادة براءة ووسيلة للتدليل على صلاح الشخص وصحّة سلوكه، حتى لو ملك الناس ألف دليل على فساده وانحرافه.

فهل هذا فعلا غاية ما يجب أن يسعى إليه الناس؟ هل “الوطنية” كمصطلح سياسي هي أرقى أنواع النشاط البشري، أم أنها مستقرة في قاع القائمة؟ وهل هي فعلٌ حقيقي أم وسيلة للتغطية على القصور والعجز عن الارتقاء إلى مراتب أعلى؟ وإذا سلّمنا أن “الوطنية” هي كل عمل يصب في صالح الوطن والمواطنين، فمن الذي يحدد ماهية العمل “الوطني”، وما هو في صالح الوطن؟ ألا ترى أن هناك هيئات وأطرًا وأفرادًا يزعمون أن نشاطهم هو نشاط وطني، ولكنه في حقيقته لا يصب في صالح الوطن ولا في صالح المواطنين؟ ألا تجد بيننا من يقول – مثلًا- إن الاندماج في المجتمع الإسرائيلي هو عمل وطني كونه يحقق للفرد وللمجتمع في الداخل الفلسطيني مصالح وإنجازات؟ ألا تجد بيننا من يزعم أن المشاركة في الكنيست – مثلًا- هي عمل وطني، لأنهم بواسطتها ربما يحققون ما هو في صالح المواطن؟ ألا تجد بيننا من ينتمي إلى أحزاب صهيونية ثم يزعم أنه إنما يفعل ما يفعله لصالح المجتمع والوطن والمواطنين؟ بل إنك تجد في بعض الحالات من يمارس العمالة ثم يزعم أنه يمارس عملًا وطنيًا.

على ذلك فإن مسألة “الوطنية” لا ضابط لها وليست لها تعريفات واضحة ولا حدود، فهي في متناول الجميع يفسرها كلٌ على هواه وبما يخدم مصلحته وأجندته، دون مرجعية ودون ضوابط يلجأ إليها الناس إذا التبست عليهم الأمور.

إن هناك ما هو أرقى وأنقى وأشمل وأفضل من الوطنية بمفهومها السياسي المعاصر.

ولا أقصد القومية، التي هي دائرة أوسع من الوطنية. فالقومية تجمع أناسًا من ذات العرق، وقد يكون هؤلاء منتشرين في أوطان متعددة. ومثال ذلك الحالة العربية. فالعربية قومية تضم أوطانًا (جغرافية) عديدة. فهل هي المراد؟

إطلاقا! فعندي أن القومية هي نوع من أنواع العنصرية العرقية لأنها حصرت الفكرة في الانتماء إلى العرق ولم تتجاوزه. وهي كذلك – من حيث كونها فكرة سياسية- ليست لها مرجعية واحدة تلجأ إليها، بل إن أصحابها الذين يدينون بها اصطنعوا لأنفسهم مرجعيات مهلهلة متضاربة متنافرة، ربما – في حالات معينة- كانت المرجعية القبلية أفضل منها وأكثر وضوحًا، على سوئها وسيئاتها وسلبياتها. ولذلك يمكنك أن تقول: لم تعرف الأمة أسوأ من “القومية” كفكرة تعتمد العرق أساسًا للانتماء، ولا أسوأ من “الوطنية” كسلوك يعتمد البقعة الجغرافية أساسا للانتماء كذلك.

نعم، الوطن بكل ما فيه عزيز على أهله، والشعور بالانتماء إليه والارتباط به عاطفيًا ووجدانيًا أمر طبيعي وفطري لا جدال فيه، لكنه ليس هو أقصى الحدود ولا منتهى الأرب. هذا يعني أن الإنسان إذا ما اضطُّر أو أجبر على مغادرة وطنه أو طرد منه أو وقع تحت احتلال، فإن ذلك لا يعني أنه فقد كل شيء. فهو ما يزال يملك ما هو أكبر من الوطن. إنه يملك انتماءً يجعل الوطن وسيلة لا غاية، حتى إذا فقده لم يفقد إرادته ولم يعدم وسائل أخرى في أماكن أخرى لتحقيق أهدافه وغاياته.

وهذه في الحقيقة هي قصة الإسلام الذي هو أرقى وأعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها الأفراد والمجتمعات لتحقيق الغايات. والأهداف فيه ليست بناء وطن في موقع جغرافي محدود وإنما تحقيق فكرة تستقر في كل مكان يستقر فيه الناس. فهي فكرة متجاوزة للحدود الجغرافية، ومن حيث ذلك فهي جامعة لكل الأوطان بمن فيها، ولكل الأعراق بمن فيها، فلا عنصرية عرقية ولا ولاء لعائلة ولا لقبيلة ولا لوطن ولا لعرق أو قومية، بل ولاء لفكرة سماوية ترتقي بالبشرية إلى أعلى المراتب. وهي فكرة لها مرجعية واحدة لا تتغير ولا تتبدل، يمكن اللجوء إليها في كل وقت وفي كل مسألة، وعندها تستطيع أن تعرف الصالح من الفاسد والمصلح من المفسد والصادق من الكاذب والحقيقي من المزيف. عندئذ ستجد أن الوطنية الحقيقية موجودة في تشريعاته، وأن العروبة (كقومية) إنما هي عنصر من عناصره ولبنة من لبناته، كسائر قوميات الدنيا التي تنتمي إليه. فداخله تذوب القوميات والوطنيات وسائر الانتماءات وتنصهر في بوتقة واحدة. فالأمة الواحدة هي الوطن الحقيقي، والعمل لأجل هذه الأمة هو أرقى الأعمال “الوطنية”.

. . .
رابط مختصر



اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر