مقالات

معركة الوعي (140) مصالحة الأحزاب أم مصالحة الأقطاب؟؟

مقالات


  • السبت 12 نوفمبر ,2022
  • 380 مشاهدة
معركة الوعي (140) مصالحة الأحزاب أم مصالحة الأقطاب؟؟
أرشيفية

تتعجّب من الإصرار على السير في طريق الانحدار وأنت تقرأ مرثاةً طويلة يرثي فيها صاحبُها حاضرَ الحالة السياسيّة في مجتمع الداخل، بعد أنْ حصرها في أحزاب الكنيست الصهيوني، وكأنه يريد أن يقول إنه لا سياسة إلا في الكنيست، وإنه لا اجتماع ولا وحدة لأهل الداخل إلا من خلال قائمة حزبيّة مشتركة، غير آبهٍ بموقف غالبية أبناء مجتمعه الرافضة للكنيست، ومتجاهلا الحقائق الماثلة للعيان، والتي تقول كل واحدة منها إن التجربة أثبتت فشلها لأنها قامت على باطل ونقصان، فكيف يطالب باستنساخها من جديد؟

يدعو صاحب المرثاة إلى فتح بيت عزاء لتلقي التعزية الجماهيرية بالوحدة التي قتلوها بأيديهم، في الوقت الذي يعقد فيه شركاؤه من ذات الإطار الاحتفالات بالنصر المظفر والفتح الكنيستيّ المبين، ذلك دون أن يتساءل أو يجيب عن سؤال: من الذي تسبب في “قتل هذه الوحدة” التي أنشئت أساسا على شفا جرُف هارٍ، بلا أساسات حقيقية متينة وبلا مبادئ أصيلة تعبّر عن وحدة حقيقية. لأنها لو قامت على أسس قوية وعلى مبدأ أصيل فلماذا تنهار هذا الانهيار ؟ ولماذا لم تصمد أمام أول اختبار لو أنها كانت صادقة؟

لا أحد يريد أن يقول الحقيقة ولو زعم أنه يقولها أو يبحث عنها. إنما هو اللف والدوران حول ما لا طائل منه ولا فائدة تُرجى، بل وفي محاولة لصرف الأنظار عن حقيقة الحكاية.

في تلك المرثاة الطويلة يرثي صاحبها القائمة المشتركة وخسرانها وتراجع التمثيل العربي في الكنيست الصهيوني، وكأن المشتركة كانت أقصى الأماني وأنّ الكنيست غاية الغايات. ثم بعد أن يقدم كل التبريرات والمسوغات لمرثاته الطويلة تراه يدعو إلى فتح صفحة جديدة والعمل على التصالح مع الجمهور وفتح صفحة جديدة معه.

 وكيف يتحقق ذلك؟

إن ذلك يكمن في تصالح أحزاب الكنيست؛ القائمة الموحدة، وقائمة الجبهة والعربية للتغيير والتجمع (وإن كان خارج الكنيست)، وأن تعترف هذه القوائم بالمسؤولية الكاملة عما حدث من تراجع وعن حالة الغضب الجماهيري، وأن تلتزم هذه الأحزاب بوضع تصور لإعادة تشكيل القائمة المشتركة على أسس واقعية وموضوعية!!!

ماذا يعني هذا الطرح؟

إنه يعني شيئا واحدا: لا وحدة لمجتمع الداخل إلا بوحدة أحزاب الكنيست، ولا قيادة لمجتمع الداخل إلا القيادة التي صُنعت على عين الكنيست، وما سوى ذلك فهو غثاء لا يسمن ولا يغني من جوع، والحديث فيه من المحرّمات السياسية!!

لقد كان من الحريّ بصاحب تلك البكائية الطويلة أن يدعو إلى تصالح الأقطاب بدلا من تصالح الأحزاب. فقد أدت تلك الأحزاب بسياساتها الحمقاء وأنانيّتها واستغلالها الجمهور واستخدامها كل وسيلة كي تصل إلى الكنيست، إلى انقسام المجتمع إلى قطبين رئيسين: قطب الأقلية الذي يزحف نحو الكنيست، وقطب الأكثرية الذي يقاطع هذا الزحف. ولكن كيف يدعو إلى إنهاء التقاطب وهو يعتبر الجزء الأكبر من أبناء مجتمعه مجرد أصوات نشاز لا تستحق النقاش؟

إن ما يحتاجه مجتمع الداخل اليوم ليس مصالحة بين أحزاب تتنافس على الكرسي، ولا إزالة ما يسميه صاحب البكائية “ألغام سوء الفهم والجفاء”، لأن المسألة ليست سوء فهم بل سوء نوايا عن سبق إصرار، وهو ما أفرزته “أم المعارك” الأخيرة، حتى أصبح يقرأه القارئ وغير القارئ.

إن ما يحتاجه مجتمعنا إنهاء حالة التقاطب التي يعلم صاحب البكائية أن سببها الوحيد هو الزحف إلى الكنيست، وهو سببٌ تُغذّيه المصلحة الحزبية الضيقة والأنانية الشخصية. ولا يمكن أن يتحقق هذا الهدف إلا بانتفاء سببه، ولا سبيل إليه إلا بوضع مصلحة مجتمع الداخل فوق كل اعتبار وعلى رأس سلم الأولويات، والتضحية بالأمجاد الحزبية والشخصية من أجل المصلحة الجماعية. وآلية ذلك فعلا إعادة بناء المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها لجنة المتابعة، ولكن ليس على غرار البكائية التي وضع صاحبها وحدة أحزاب الكنيست كشرط أولي وأساس لا يتحقق الأمر إلا به!! في محاولة لتصوير أن الطريق إلى الوحدة المجتمعية لا يمكن أن تمرّ إلى من خلال هذه الأحزاب، متجاهلا الأغلبية التي لها قيادات، ولها برنامج عمل، وتسعى منذ سنوات طويلة إلى رتق ما مزّقوه وجمع ما فرّقوه وإصلاح ما أتلفوه وفتح كل باب أغلقوه.

يزعم صاحب البكائية/ المرثاة أن القائمة المشتركة “أدخلتنا إلى المجتمع الدولي من أوسع الأبواب…”.

كيف تحقق ذلك، وما هي علاماته؟ وما هي أدلته؟

لم يرَ من واجبه أن يفصّل فيه، لأنه سيلقى ردّ الواقع ماثلا أمامه. فلو صحّ ما يقول لوجدنا ثماره، ولكان آثره قد انعكس على حياة الناس التي ازدادت سوءا وتراجعا، على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجتمع.

ثم يزعم صاحب البكائية أن المشتركة (التي خسروها) كانت قد “شكّلت…. غطاءً لكل مجتمعها وشعبها ونُخبِه ونشاطاته الوطنيّة”. أحقًّا كانت المشتركة غطاء لكل مجتمعها، بمن فيه القطب المقاطع؟ ما هذه الجرأة التي تصطدم بالواقع فيفضحها؟

ثم يصوّر انفراط عقد المشتركة ضياعا للهيبة، وكأن المشتركة والزحف إلى الكنيست مصدر هذه الهيبة!! متجاهلا أن الذي أضاع هيبتنا تحديدا هو هذا الإصرار العجيب على الزحف إلى الكنيست، وفي سلوك الأحزاب وقياداتها ما يكفي دليلا على ذلك.

ثم يبكي انفراط المشتركة التي “جسّدت الوحدة العربية بصورة مشرّفة”، تلك “الوحدة” التي أصبح أصغر طفل ينبئُك ظهرًا عن قلب بأنها كانت لمصلحة كنيستيّة خالصة، ولا علاقة لها من قريب أو من بعيد بوحدة حقيقية تعكس طموحات مجتمع الداخل.

فمنذ متى كانت المشتركة غطاء لكل مجتمعها وشعبها، بينما كانت غالبية هذا المجتمع وهذا الشعب قد أعلن رفضه لطريقها وخياراتها؟

لقد قلنا قبل ذلك وفي أكثر من مناسبة، ويؤكده صاحب المرثاة في بكائيته؛ من أن جهات كثيرة، بما فيها أحزاب الكنيست، عملت منذ عام 2015 على طرح القائمة المشتركة كممثل وحيد لمجتمع الداخل الفلسطيني، إلى درجة أن الشارع الإسرائيلي الرسمي والإعلامي تعامل مع المشتركة على هذا الأساس، ووضعها في مقدمة “النشاطات الوطنية”، في محاولة مستميتة لوأد دور لجنة المتابعة، ليس فقط لأنها إطار جامع للكل الفلسطيني في الداخل، بل بالذات لأنّ هناك من دعا ويدعو منذ سنوات إلى الانسحاب من طريق الزحف إلى الكنيست، والعمل على إعادة هيكلة لجنة المتابعة ومأسستها من خلال الانتخاب المباشر، لتكون هي الإطار الذي يشكل المرجعية الوطنية.

ولعلّ صاحب البكائية من أكثر الناس علما بالذين عطّلوا بناء المؤسسات الوطنية وفي مقدمتها لجنة المتابعة، فقد كان هناك لسنوات طويلة!!

فكيف يدعو معطِّلٌ معطِّلينَ إلى بناء ما عطّلوا بناءه طوال الوقت؟ إن أمركم عجيب!!

أعلم تماما أن صاحب البكائية له موقف من سلبي من تجربة تنظيمه وقائمته في الائتلاف الحكومي، بغض النظر عن أسباب هذا الموقف ومسوّغاته. ولو قرأت ما بين سطور المرثاة لوجدت ذلك بوضوح، ولوجدته يخاطب تنظيمه قبل أن يخاطب الآخرين، لكنه لم يجد الجرأة الكافية ليقول ذلك بصراحة، فراح يدور حول الموضوع، فهرب مرتين: مرة من مصارحة الناس بفشل الطريق الذي سار فيه تنظيمه، ومرة بحصر وحدة المجتمع باستنساخ المشتركة ووحدة أحزاب الكنيست كنموذج لوحدة مجتمع الداخل.

. . .
رابط مختصر



اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر