مقالات

إنتخابات الكنيست: لا استهانة بالتحديات ولا هي أم المعارك

مقالات


  • الاثنين 31 أكتوبر ,2022
  • 265 مشاهدة
إنتخابات الكنيست: لا استهانة بالتحديات ولا هي أم المعارك
الكنيست

هنالك نوع من المغامرة بالكتابة عن الانتخابات الإسرائيلية عشية إجرائها، وبالذات لأن نتائجها العامة عصية على التكهن، نظراً إلى التوازنات وعدم قدرة أيٍّ من قوى اليمين المركزي، أو أقصى اليمين الفاشي، على تشكيل ائتلاف حاكم يقود إلى ثبات الساحة السياسية، ولن يكون من المستبعد إيجاد مخرج للأحزاب الصهيونية الحاكمة من خلال انتقال حزب مركزي من أحد المعسكريْن إلى الآخر، والحديث يدور عن قيام حزب "كاحول لافان"، بقيادة غانتس، بالذهاب إلى اتفاق تناوُب مع "الليكود"، بقيادة نتنياهو، في حال حصلت كتلة أقصى اليمين على أغلبية، ويبقى احتمال انتخابات جديدة وارداً، وبقوة.

الموضوع الأساس هنا خارج حدود المسألة الحسابية. والسؤال: إذا نجح نتنياهو وشكّل ائتلافاً حاكماً، فهل يمكنه، وهو المتمرس في العلاقات الدولية وخوض الحملات، دفاعاً عن سمعة إسرائيل والصهيونية في مواجهة حركات التضامن مع شعب فلسطين، وحصرياً حركات المقاطعة ودمغها بـ "اللاسامية"، وخصوصاً أنه شكّل ائتلافاً مع بن غفير واليمين الفاشي. في المحصلة في هذا الصدد، فإن نتنياهو، وحتى لو فازت كتلته بالأغلبية، فإنه سيكون محاصراً سياسياً، وأمام مأزق سياسي كبير، ليس بالضرورة أن يكون قادراً على تجاوزه، وهو مأزق انضمام الحزب الفاشي "عوتسما يهوديت"، بزعامة سموتريتش وبن غفير، إلى الائتلاف الحاكم، بصفته الحزب الثالث كما هو متوقع، بحسب الاستطلاعات، ومطالبته بتولّي مناصب وزارية رفيعة، ومنها القضاء والأمن الداخلي والشرطة، أو وزارة الأمن. كما من الجدير التنويه به قيام هذا الحزب، وفي سياق مضاعفة نفوذه الجماهيري والمؤسساتي، بإنشاء منظومة من التنظيمات والجمعيات القانونية والميليشيات اليهودية الإرهابية المسلحة، وبالذات في مدن الساحل وبئر السبع، واضعةً نصب أعينها الاعتداء على مجمل الوجود العربي الفلسطيني في هذه المناطق وفرض سطوتها عليه في حال تكررت مواجهات، مثل هبّة الكرامة في أيار/مايو 2021، ليتكامل دورها الدموي مع قمع الشرطة وحرس الحدود وقوات عسكرية في اقتحام التجمعات العربية في هذه المناطق وغيرها. وهذا ما يضاف إلى خطة الشرطة الإسرائيلية في قطع شبكات التواصل الاجتماعي، لمنع العرب من التنظيم ومواجهة التطورات، بحسب ما أشار المفتش العام للشرطة. كما أن "عوتسما يهوديت" معنيّ بإحداث انقلاب في الجهاز القضائي ومحاصرة تدخُّله في قضايا الدولة، تمهيداً لتعزيز نفوذ الشريعة اليهودية.

إن مثل هذه الخطوة من نتنياهو، والتي تبدو داخلية، تحمل أبعاداً استراتيجية في مواجهة تحدّييْن كبيرين: الأول، هو موقف الإدارة الأميركية غير المعنية بعودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة، وذلك لتعارُض أولويات سياساته مع الأولويات الأميركية في المنطقة، فكم بالحري لو انضم إليه حزب "عوتسما يهوديت"، المنطلق بقوة نحو التحول إلى حزب حاكم رئيسي، والمعني بأرض إسرائيل الكبرى والخلاص التوراتي من على "جبل الهيكل"، بالإضافة إلى التطهير العرقي للفلسطينيين على جانبيْ الخط الأخضر.

أما التحدي الاستراتيجي الثاني بانضمام هذا الحزب إلى ائتلاف نتنياهو، فقد يعصف باتفاقيات التطبيع والسلام الأبراهامي، وبالذات لما قد تخلقه ممارساته وممارسات جمهوره من توترات مع الفلسطينيين وانعكاسها، إقليمياً وحصرياً، على كلٍّ من مصر والأردن، وهذه الأخيرة في مسألة انتهاك المقدسات في القدس، بينما التهديد الأعظم هو في فكرة "الوطن البديل" في الأردن. كما من شأن هكذا انضمام أن يجعل شرعية إسرائيل موضع نقاش عربي وعالمي، يعزز حركات التضامن والمقاطعة وييسّر دمغ إسرائيل بالفاشية والتطهير العرقي ودمغ الصهيونية بالعنصرية والاستعمار، الأمر الذي تراجع عنه المجتمع الدولي في العقود الأخيرة. بينما من المتوقع أن يكون التحالف والخضوع لابتزازات حزب "عوتسما يهوديت" فقط في حال لم يكن هناك من بدائل أمام نتنياهو، وهو صاحب مصلحة شخصية مصيرية له على الصعيد الشخصي، حتى وإن تنافرت مع مصالح إسرائيل العليا، والحديث عن ملفاته القضائية التي يجب أن لا تعنينا، كفلسطينيين وعرب.

في المقابل، فإن سيناريو نجاح التحالف المناوئ لشخص نتنياهو، بقيادة لبيد وغانتس، في تشكيل ائتلاف حاكم، لا يحمل البشائر على المستوى الفلسطيني العام، بل يعرض السلام الاقتصادي، ويمارس تعميق الاحتلال، وهو يتحدث عن حل الدولتين، مقابل مشروع الضم المعلن لدى "الليكود" وحلفائه، وكلاهما يسعيان إلى اعتماد الاتفاقات الأبراهامية وتجاوُز قضية فلسطين عربياً، وكذلك ربط النظام العربي، مصلحياً واستراتيجياً، باسرائيل والاصطفافات المعنية بها إقليمياً. هناك فروق بين المشروعين، لكنهما بعيدان كل البعد عن الحد الأدنى الممكن قبوله فلسطينياً. وهذا يعيدنا إلى حقيقة أن مَن يدير إسرائيل في نهاية المطاف هي مؤسساتها الاستراتيجية والدولة العميقة، وهي المؤتمنة الأولى، صهيونياً، على مصالح الدولة.

وبهذا المفهوم لا يمكن، فلسطينياً أو عربياً، توقُّع متغيرات جوهرية في سياسات المؤسسة الصهيونية الحاكمة، إلا بقدر الوزن الاستراتيجي للفلسطينيين والعرب، والذي يفرض نفسه كي يغيّر في سياسات إسرائيل. فمثلاً، لا يستطيع رئيس حكومة أن ينهي الاحتلال ويزيل المستوطنات ويلغي ضم القدس والجولان، وألّا يواصل المساعي لضم مناطق "ج" في الضفة الغربية بوتيرة ثابتة.

يراهن معسكر اليمين-مركز على نسبة التصويت بين الجمهور العربي الفلسطيني في الداخل، ليقوم بتغليب الكفة لمصلحته، ولا يراهن على دعمهم لائتلافه، باستثناء القائمة العربية الموحدة– الحركة الإسلامية الجنوبية. بينما يعتبر نجاح قائمتيْ "الجبهة والعربية للتغيير" و"التجمع" اللتين تخوضان الانتخابات منفصلتين، بعد تبعثُر القائمة المشتركة، عقبة أمامه. وهو ما يحدث في إطار شرخ عميق داخل التيار الوطني الفلسطيني الذي ينتمي إليه الحزبان، وهو شأن ينبغي أن يشغل مجمل الحركة السياسية.

وباعتقادي، ستشهد الأحزاب ذاتها مراجعة لتمثيلها البرلماني وأدائها، وحتى لبرامجها السياسية، بعد أن تراجعت الاجتهادات في ظل القائمة المشتركة. كما يتطلب الأمر مناقشة معمقة خارج التجاذبات الانتخابية فيما يتعلق بالقائمة الموحدة وشراكتها في الائتلاف الحاكم وإسقاطات ذلك على وجودها في الأطر التمثيلية العربية الفلسطينية في الداخل، وبالذات في لجنة المتابعة العليا التي تحتاج، بدورها، إلى إعادة تقييم لدورها وأدائها، بهدف الانطلاق، وهناك مبادرات عديدة تدفع في هذا الاتجاه، بالإضافة إلى القناعات الداخلية في لجنة المتابعة بضرورة نقل مركز الثقل إلى التنظيم الذاتي والعمل الشعبي المنبثق عنه، وأن يكون العمل البرلماني رافداً له، وليس متصدراً له.

شهدت المعركة الانتخابية الحالية، كسابقاتها، فائض رهان على القوة الانتخابية للفلسطينيين العرب مواطني اسرائيل، وهو رهان يزداد إيغالاً كلما كان الوضع الفلسطيني والعربي متردياً، إذ يتم التعامل مع كل تغيير طفيف في الحلبة السياسية الإسرائيلية كأنه فسحة أمل ينبغي التمسك بها، حتى ولو اتضح أنها بمثابة وهم. قد يكون مفهوماً المنطقُ الكامن وراء هكذا تعامُل قائم على معادلة القوة، لكن ينبغي التأكيد أن فسحة الأمل يفتحها الفلسطينيون وحدهم، وتتسع بقدر النضال التحرري، مسنوداً عربياً ومن العالم، وهو ما يغيّر في الخريطة السياسية الإسرائيلية، وفي جوهر القرار الإسرائيلي، أكثر من أيّ عامل إسرائيلي داخلي، على الأقل في المدى المنظور.

. . .
رابط مختصر



اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر