التفكير في هزيمة الصهيونيّة


  • السبت 15 مايو ,2021
  • 1142 مشاهدة
التفكير في هزيمة الصهيونيّة

لفتَ المفكّر المصريّ، عبد الوهّاب المسيري في كتابهِ "انهيار إسرائيل من الداخل" إلى تجربةٍ استيطانيّة يهوديّة في الجغرافيا الأوروبيّة، ملامحها البنيويّة متماثلة، أمّا عن السياق والمضامين التي أُقحمت في التجربة الصهيونيّة فهي مختلفة، إلا أنها لا تعنينا كشعبٍ مضطهد ومستعمَر وفي نزاعٍ دائم على كرامتهِ وإنسانيّتهِ.

يعيدنا المسيري إلى الامبراطوريّة البولندية- الليتوانيّة أو كما سميّت "الكومنولث البولندي الليتواني"، أقيمت في القرن السادس عشر، ازدهرت الامبراطوريّة من ناحية عدد السكّان وعُرفت بديمقراطيّة ولكن للنُبلاء فقط، وهي بالمناسبة شبيهة بديمقراطيّة اللصوص الأورو- أميركيين، وسنعي جميعًا ذلك بعد مرورِ وقت على هزيمتها.
وبرزت شرق أوروبا في تلكَ الفترة، كساحةٍ للصراعات الداخليّة التي تقرّر على إثرها مدى وحدة وطهارة الامبراطوريّة كما حدثَ في إسبانيا أو "مملكة الأرغون وقشتالة" كما عُرفت آنذاك، والبرتغال، أو كما حدثَ بعد أكثر من مئة عام في فرنسا. بالتالي، عمليّة استعباد شعوبٍ وفلاحين قد بدأت واستخدمت الجماعة اليهوديّة في تلكَ المنطقة، كجماعةٍ استيطانيّة لها أدوار دعمِ وتثبيت الطبقة الحاكمة في الامبراطوريّة وعُرفت باسم "الشلاختا"، أما اليهود عُرفوا تحت إسم "الأرنداتور"، والتي قامت بأدوارٍ [وكالة ماليّة وإدارة الإقطاعيّات واستيطان في مناطق نائية] حُرمت دينيًا أو ثقافيًا على الطبقةِ الحاكمة وأيضًا أدوار تحتاج لمواجهةٍ يوميّة مع الفلاحين والمضطهدين.
المهمّة التي أوكلها النبلاء للجماعةِ اليهوديّة، هي الاستيطان والسيطرة وإحكام الهيمنة على أوكرانيا الأرض والعمل والفلاحين، حيثُ عاشَ نبلاء بولندا في وارسو، أمّا المستوطنين اليهود في إقطاعيّات/ مستوطنات داخل أوكرانيا، وفرضَ المستوطنين ضرائب باهضة على جميعِ خصائص الشعب الأوكراني، حتى عند دخولهِ إلى كنيستهِ عليهِ دفع المال، في ارتدائهِ العباءة الكهنوتيّة للقساوسة المسيحيين، وغير ذلك من ضرائب استفزازيّة. علمًا أن الفروقات بينَ الجهات واضحة؛ الأولى بولنديّة مسيحيّة رومانيّة كاثوليكيّة، والوسيط اليهوديّ، والأخير المستغلّ الأوكرانيين المسيحيين الأرثوذكسيّة، مما جعلَ من الاشتباك والصراع قائمًا.
قبلَ أن أكمل، أودّ الإشارة إلى أن هذهِ الأدوار في العمليّة الاستعماريّة الاستيطانيّة مهمّة من حيث فهمنا لبنية علاقات القائمة اليوم، إلا أنها أكثر تعقيدًا والنظر إليها ليسَ من خلال الجماعة الدينيّة، بينما النظر إلى الأعراق وأدوارها في المشروع الصهيونيّ من جهةٍ، وتبعيّة المشروع الصهيونيّ للمشروع الامبرياليّ [الأميركيّ راهنًا]. في مشهد الشيخ جرّاح تجدها جميعها متداخلة وواضحة أمامك اليهود المتدينين سواء الشرقيين أو الأشكنازيين، تحت حماية جنودٍ من أقليّات نُقلت في إطار نقل العبيد الأفارقة إلى الأميركيتيين، تحت قيادة ضبّاط أشكناز. ثمّ تنظر إلى أسلحتهم M-16 أميركيّة الصُنع وفروعها المعدّلة.
وشيّد "الأرنداتور" اليهود آنذاك في أوكرانيا مستوطنات حيث يعيش فيها المُلتزمون اليهود (أنصاف الإقطاعيين بسبب الملكيّة تعود أساسًا لطبقةِ "الشلاختا") وعائلاتهم، تحت حماية القوّة العسكريّة البولنيّة، وفي الوقتِ نفسهِ تمّ عسكرة المجتمع اليهوديّ وعُرف بمجتمع المعبد/ القلعة؛ ويصفها المسيري، حيث صُممت المستوطنات كمساحة للعبادة والدراسة وحصن وقلعة عسكرية، مزوّدة بحوائط سميكة، كما أن المتاريس كانت مزودة بكوات لتخرج منها المدافع والبنادق، وأيضًا مزوّدة عادةً ببرجٍ ضخم للمراقبة، يستخدم أحيانًا للسجن. ومن المهمّ هُنا أن نسترجع المجتمع الصهيوني المستوطن في فلسطين، والشكل التصميميّ الأكثر شيوعًا "ييشوف البرج والجدار"، وهو يجسّد الأساليب التصميميّة التي استخدمها المستوطنين في تشييد تجمعاتهم الزراعيّة، التي عزلت نفسها بجدارٍ وبرج، للاستعداد إلى انتفاضات الفلاحين وخصوصًا المطرودين من الأرض، سواء الفرديّة أو المعروفة لدينا بالكبيرة مثل 1920 و1929 و1936.
رغمًا عن جميع هذهِ التصميمات الحديثة والتقنيّة، اندلعت في القرن السابع عشر، في عام 1648 حتى 1657، "انتفاضة شميلنكي" [وعُرفت أحيانًا باسم "مجزرة شميلنكي" وخصوصًا في التأريخ الصهيونيّ للحادثةِ حيث نظرَ إلى الانتفاضة بصفتها حادثةٍ لا-ساميّة] التي عمّت أراضي أوكرانيا والأجزاء الشرقيّة من "الكومنولث- البولندي الليتواني"، إلا أن ذلكَ لم يغيّر بقوّة الفعل والحدث، الذي باشرَ بهِ قائد الثورة بودان بوهدان شميلنكي، بـ 400- 500 رجل في العمليّات العسكريّة الأولى، ثمّ علت أصوات الثورة وانتشرت أخبارها، وخلَ فيها ما يزيد عن 3000 رجل، وتحوّلت بسرعةٍ من انتفاضة غضب ضدّ النبلاء والوسيط اليهوديّ، قُتلوا جميعهم كاثوليكيين ويهود أينما كانوا، إلى حركةٍ لتأسيس دولة جديدة وتعبّر عن الأوكرانيين الروس. ودخلَ شميلنكي منتصرًا إلى مدينة كييف، وهلّل الناس لهُ «يا موسى، أيها المنقذ، أيها المخلص، يا محرّر الناس من الأسر البولندي... يا حاكم الروس المبجل». وامتلك نفوذ كبير في أوكرانيا وبودوليا وفولينيا وامتدت أرضه وامارته بشكلٍ واسع.
ما تعطينا إياه هذهِ الأحداث التاريخيّة، وخصوصًا التشابه البنيويّ الحاصل، هو أن النقطة الأساسيّة؛ الصهيونيّة وما أنجزتهُ من جلب مستوطنين ونقلهم إلى فلسطين، لن يتمكّن في الاستمرار ضمنَ العلاقات الراهنة إزاء الفلسطينيين في القدس وفي غزّة وفي الضفّة الغربيّة وفي داخل ال48 والمطرودين من أرضهم الناظرين للعودة من تخوم فلسطين. وهي تحاول جلبهم بشكلٍ دائم، من المطار مباشرة إلى التدريب العسكريّ لحماية المستوطنات أو والمادّة البشريّة الأخرى للاستيطان أو تعزيز المستوطنات القائمة في يافا وحيفا حريش والنقب وغيرها.
وأخيرًا الركام والفوضى التي نراها في الصورة ومن فوقها علم المستوطنين، هي تعبّر عمّا يحدث في فلسطين أكوامٌ من المستعمرين يطمحون لنسق واحد ومتماسك ولكن ما هي إلّا ركام وثكنة.
بقلم: قعدان محمد
. . .
رابط مختصر



مشاركة الخبر