اليوم التالي، العُلوّ، وسُلطة تقمع شعبها

علم قادة الاحتلال، من نتنياهو إلى أصغر بن غفير وأصغر سموترتش، أن الحديث عن اليوم التالي في غزة لا يقرره الاحتلالـ، ولا أمريكا، ولا الأنظمة العربية، ولا سلطة دايتون، إنما يقرره أهل غزة أولا، ثم سائر أبناء الشعب الفلسطيني. هم يعلمون ذلك، ويعلمون أكثر أنّ حديثهم عن غزة خالية من فصائل المقاومة وفي مقدمتها حركة حماس، هي مجرد أوهام يبيعونها في سوق السياسة، وأضغاث أحلام يُلهون بها الرأي العام، للتغطية على فشلهم في تحقيق أهداف حربهم المعلنة والخفية على غزة. ويؤكد هذا الفهم العديد من خبرائهم ومفكريهم وعسكرييهم. فما فشلت في تحقيقه تلك الحرب المجنونة التي دمرت كل شيء في غزة، دون أن تتمكن من كسر شوكة أهل غزة، لا يمكن تحقيقه بألاعيب السياسة ومخططات التهجير الترامبيّة والتهديدات بالجحيم، ولا بالتصريحات النارية الفارغة التي يخرجون بها صباح مساء دون طائل ودون رصيد.
أحد الذين أصابوا كبد الحقيقة في هذه المسألة من الإسرائيليين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في “مركز ديان” في جامعة تل أبيب ميخائيل ميلشتاين، الذي أكد أنه لا يوجد بديل لحماس في غزة، وأن حديث الإسرائيليين عن “غزة بلا حماس” هو مجرد خيال بعيد عن الواقع. فالواقع -يقول- أنه بعد خمسة عشر شهرا من الحرب اتضح أن حماس ما تزال تتحكم بزمام الأمور في غزة.
إن الحل الوحيد الذي يمكن أن ينفع الاحتلال في هذه القضية هو السعي إلى عقد هدنة طويلة الأمد، تمتد لعشر سنوات، تتوقف خلالها المواجهة العسكرية بين الطرفين. وقد سبق لحركة حماس أن تحدثت عن هذه الهدنة قبل أكثر من ربع قرن، لكن الاحتلال رفض التعاطي مع هذا التوجه. وأعتقدُ أن الاحتلال سيصل في المرحلة الحالية إلى قناعة بأن هذا هو المخرج والحل الوحيد للخروج من مأزقه الخطير الذي ألقى بنفسه في أتونه، والذي يمكن أن يوفر له الهدوء ولو بشكل مؤقت يمتد لسنوات. وفي المقابل فإن غزة كذلك بحاجة إلى هدنة كهذه لتستعيد عافيتها وتعيد تعمير ما دمره الاحتلال.
في المدى المنظور لا أرى حلا أفضل من هذا للطرفين.
(2)
لا تختلف سلطة دايتون، المتحصنة خلف جدران المقاطعة في رام الله، في سلوكها عن سائر الأنظمة العربية في تعاملها مع المواطن، غير أنها أسوأ من سائر أنظمة البطش العربية بأنها تتصرف كنظام يحكم دولة، بينما هي لا تملك دولة ولا أرضًا، وإنما هي عبارة عن إدارة أشبه ما تكون بالعصابات، لا شكل لها ولا هيئة، تملك سلاحا زوَّدها به الاحتلال، توجهه إلى صدور أبناء شعبها وتروع به الآمنين وتنتهك به الحرمات وتبطش به بالأحرار، مؤدية بذلك دورا أشد وطأة مما يفعله الاحتلال ومستوطنوه، هذا في الوقت الذي أوهمت الناس بأنها تقود مشروع تحرر من الاحتلال، وإذا بها أداة بطش تتصدى لكل محاولة حقيقية للتحرر.
إنها سلطة بلا سلطة، اللهم سوى سلطة “منحها” لها الاحتلال للتسلط على رقاب العباد، وسحق الشرفاء، وحرمان الناس من حقوقهم، وتكميم الأفواه ومنعها حتى من مجرد إبداء الرأي ورفض الظلم وإطلاق صرخات الألم من سياساتها التي بات من الواضح أنها سياسات تصب في مصلحة الاحتلال، ولا علاقة لها بمصلحة القضية الفلسطينية ومستقبلها.
إن سلطة تأخذ سلاحها من المحتل لا يمكن أن تكون مشروع تحرر من هذا الاحتلال، ولا يمكن للاحتلال أن يسمح بهذا. هكذا كان يجب أن تُفهم الأمور منذ اللحظة الأولى التي وقّعوا بها على فضيحة “أوسلو”، ومن أول بندقية تسلمها رجالات السلطة من الجنرال الإسرائيلي.
لذلك فإن التاريخ سيسجل أنّ أكبر خدعة تعرض لها الشعب الفلسطيني بعد نكبة 1948 هي نكبته بسلطة وهمية، ظن أنها ستفعل لأجله، ففعلت به الأفاعيل. وحتى نكون واضحين، فإن هذه الممارسات ليست جديدة ولا هي في زمن محمود عباس فقط، بل منذ أيامها الأولى. وذاكرة شعبنا مليئة بالمشاهد والأحداث التي حُفرت بنار الاحتلال وحديد السلطة حتى حفرتها أخاديد عميقة في خارطة الوطن من شماله إلى جنوبه.
وليس أمام الشعب الفلسطيني، إن أراد الخلاص، وهو يريده، سوى أن يطيح بهذه السلطة وينهي دورها السيء ويتخلص من موبقاتها كما يتخلص الجسم السقيم من السموم التي تراكمت فيه عبر السنين، حتى إذا برأ الجسم من سمومه انتصب كالمارد وانطلق نحو آفاق الحرية، إلى حيث تشرق شمسه ولا تغيب.
(3)
بتُّ على قناعة تامة أننا نعيش مرحلة مفصليّة من مراحل العلوّ الإسرائيلي الذي تمدُّه بعناصر الغرور والانتفاش مواقف واشنطن وسائر دول الغرب، واستخذاء الأنظمة العربية وحالة الهوان الذي لحق بالأمة بشكل لم يشهد له التاريخ شبيها، حتى في عصور اجتياح المغول والصليبيين لبلاد المسلمين.
إنه علوّ الطاووس المنتفش الذي انتفخ صدره بزفرات الاستعلاء والاستخفاف والاستهانة والتحقير لأمّة تعدادها يقارب مليارين من الناس، لا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم همسا ولا تسمع لهم ركزا. ولسوف يصل هذا العلو درجة من الشرّ لا يتخيلها عقل سويّ.
لكنه في الحقيقة علوّ مزيف، لا يملك من عناصر القوة الحقيقة شيئا، سوى حبل من الناس وحبل من الله. وحبل الناس منقطع لا محالة في مرحلة ما، وحبل الله له قدر سيبلغه ذات لحظة ثمّ ينقطع بما ظلموا. وحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، كما لا تنفع كل أدوات البطش المادية.