"صراخ" سموتريتش و "خطأ" بن غوريون


  • السبت 23 أكتوبر ,2021
  • 1181 مشاهدة
"صراخ" سموتريتش و "خطأ" بن غوريون

لا يوجد أكثر وضوحًا من تصريح عضو الكنيست من حزب "الصهيونية المتدينة" اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش، عندما صرخ من على منصة الكنيست الصهيوني قبل أيام في وجه أعضاء الكنيست العرب، عندما قاطعوه أثناء حديثه الانفعالي شديد الغضب على فشل مشروع قانون قدّمه زميله عضو الكنيست سيمشا روتمان، بهدف تغيير قانون العودة ومراجعة سياسات الهجرة الإسرائيلية. إذ قال إنه لا يتوقع دعم أعضاء القائمة المشتركة، الذين وصفهم بأنهم أعداء، لكنه شعر بالخيبة لرؤية أعضاء اليمين في الكنيست يعارضون مشروع القانون. وفي نفس السياق تحدث حول "الحاجة إلى الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية"، وقال صارخًا: "نعم، يهودية، بأغلبية يهودية، مع توفير الأمن لمواطني دولة إسرائيل". وعندما تعرض سموتريتش للانتقاد الشديد من قبل العديد من أعضاء الكنيست العرب، ردّ عليهم قائلًا: "أنا لا أتحدث إليكم يا أعداء الصهيونية وأنصار الإرهاب"، وأضاف: "أنتم هنا عن طريق الخطأ، إنه خطأ بن غوريون لم يكمل المهمة ولم يطردكم عام 1948".

تصريح "صراخ" سموتريتش هذا، هو الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني الذي ينظر إلى العرب الفلسطينيين في داخل أراضي الـ 48 كخطر استراتيجي وعقبات يجب التغلب عليها أو إزالتها، هذه النظرة لم تتغير منذ عام النكبة عام 1948 وحتى يومنا هذا ولن تتغير، لأنها من صميم الفكر الصهيوني الذي حدّد "المشكلة السكانية" منذ أواخر القرن التاسع عشر أنها العقبة الرئيسية أمام تحقيق حلم إنشاء الوطن القومي لليهود. وبن غوريون (مهندس التطهير العرقي) كان واضحًا جدًا عندما قال في أواخر عام 1947 "لا يمكن أن يكون هناك دولة يهودية مستقرة وقوية ما دامت الأغلبية اليهودية فيها لا تتعدى 60%". هذا الكلام "المزعج" نفسه استحضره نتنياهو في العام 2003 عندما قال: "إذا صار العرب يشكلون 40% من السكان، فإن هذا سيكون نهاية الدولة اليهودية" لكنه استدرك حديثه بالقول: "لكن نسبة 20% هي أيضًا مشكلة وإذا صارت العلاقة بهؤلاء الـ 20% إشكالية، فإن للدولة الحق في اللجوء إلى إجراءات متطرفة".

إذن، فإن القلق يُساور العقلية والأيدلوجية الصهيونية إزاء تفاقم "الميزان الديمغرافي" لصالح العرب، من قبل قيام الدولة الإسرائيلية وحتى يومنا هذا، لا سيّما والخصوبة عند النساء الفلسطينيات أعلى من عند النساء اليهوديات، وهذا في الحقيقة ما يدفع هذا الكيًان بين الفترة والأخرى للتحذير من هذه المشكلة "الخطرة" كما وصفها (مهندس التطهير العرقي) بن غوريون في العام 1947، حتى يأتي "سموتريتش" اليوم في العام 2021 ليصرخ بأعلى صوته وعلى مسامع أعضاء الكنيست العرب "نعم، يهودية، بأغلبية يهودية، مع توفير الأمن لمواطني دولة إسرائيل".

هذا القلق الشديد الذي ساور وما يزال الكيّان الإسرائيلي منذ عقود طويلة من "الخطر الديمغرافي" حتى لا تتحول الأغلبية اليهودية المهيمنة إلى أقلية أو إلى نسبة قريبة جدًا من نسبة العرب الفلسطينيين، لأن ذلك سيكون نهاية وزوال الدولة اليهودية، كما استشرف نتنياهو من خلال ذلك مستقبل دولته، دفع بالكيّان الإسرائيلي أن يكمل المهمة التي بدأها بن غوريون (مهندس التطهير العرقي) قبل العام 1948، وهو في الحقيقة لم يخطئ بعدم إكمالها حتى لا يبقى في البلاد أيّا من العرب الفلسطينيين، كما يدّعي سموتريتش، إنما لم يستطع لأسباب وظروف، لا مجال لذكرها هنا، ولو استطاع وقتها ما توقف أبدًا عن عملية الإبادة الجماعية لشعب في موطنه الأصلي، فقد اعتبر العرب الفلسطينيون الذين بقوا في أرضهم غرباء في وطنهم الأصلي ولعنة كبيرة على المشروع الصهيوني واعتبرهم مجموعة عدائية فطريًا وطابورًا خامسًا وعمل على التضييق عليهم ومحاصرتهم في مناطق أمنية وفرض عليهم الحكم العسكري.

هذا القلق الشديد من "الخطر الديمغرافي" أيضًا، جعل الكيّان الإسرائيلي يكرر محاولة إعادة تفعيل مخطط التطهير العرقي الذي هندسه بن غوريون كلما حانت الفرصة في محاولة يائسة للمحافظة على الأغلبية، بدءّا من مجزرة كفر قاسم التي نحن على بُعد أيام قليلة من ذكراها الـ 65 التي ارتكبت في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1956، وأسفرت عن مقتل 51 شخصًا من سكان القرية، بينهم أطفال ونساء ومسنون ورجال، وجنين واحد أيضًا. إذ لم يحتمل الكيّان الإسرائيلي العدد الكبير لسكان هذه المنطقة من العرب، وهو ما تؤكده المصادر أيضًا أن القوات الإسرائيلية قتلت بدم بارد خلال 1949-1956 ثلاثة آلاف فلسطيني معظمهم ممن حاولوا العودة بعد تهجيرهم إلى بلدان الجوار. ومرورًا بمخططات مصادرة الأراضي والتهجير "ترانسفير طوعي" وهو تعبير ملطف عن التطهير العرقي، كما دعا حزب ليبرمان والأحزاب الدينية بنقل فلسطينيي الداخل في منطقة المثلث إلى الضفة الغربية ووصولًا إلى مقترح الخطة الامريكية المعروفة باسم "صفقة القرن" بنقل مدن وقرى المثلثّ إلى سيطرة السلطة الفلسطينيّة، من أجل تقليص عدد المجموعة السكانية العربية وضمان عدم تفوقهم على اليهود من الناحية الديمغرافية، وفي موازاة هذه المخططات عمل الكيّان الإسرائيلي على استجلاب مجموعات يهودية من كافة أنحاء العالم بين الفترة والأخرى لضمان التفوق الديمغرافي حتى في المؤسسات الصحية كما حصل مؤخرًا، عندما صادقت الحكومة على مخطط لاستجلاب 3 آلاف طبيب وممرض من يهود العالم بذريعة "حاجة المرافق الصحية الإسرائيلية للكفاءات"، غير أن الحقيقة هي للجم الارتفاع المتواصل في نسبة الأطباء العرب بالجهاز الصحي بالبلاد الذين أصبحت نسبتهم في ارتفاع واللغة العربية باتت منتشرة في جهاز الصحة، من مستشفيات وعيادات إسرائيلية.

. . .
رابط مختصر



اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر