ملامح من الهبّة: باقة الغربيّة مدخلًا لقراءة فلسطين


  • الجمعة 11 يونيو ,2021
  • 1122 مشاهدة
ملامح من الهبّة: باقة الغربيّة مدخلًا لقراءة فلسطين

القدس خلفيّةً

محاولة فهم ما يجري راهنًا في فلسطين، بالإمكان إحالته إلى القدس، من خلال تسليط النظر على حيّ الشيخ جرّاح والبلدة القديمة، المسجد الأقصى تحديدًا؛ لقد تفجّرت معانٍ جديدة عبر الأحداث في هذه المواقع، عُنيت بها الجماهير الفلسطينيّة في كلّ أماكن وجودها.

أحداث الشيخ جرّاح تعيد إلى الذاكرة ما كان في النكبة بقوّة، حيث الاقتلاع والتهجير من أجل استبدال مباشر لمستوطنين يهود بالفلسطينيّين؛ ممّا يجعل من النكبة تتجسّد في مشهد فجّ ومكان ومساحة صغيرة، وفي بثّ مباشر، ما يدفع الفلسطينيّين إلى الانتفاض على القبول بمصير كهذا مرّة أخرى، حيث الإصرار على رفضه راهنًا، والانفلات من معنى النكبة التاريخيّ. وبالتزامن مع ذلك، كان اقتحام المسجد الأقصى، ثمّ محاولة فرض «مسيرة الأعلام الإسرائيليّة - توحيد يروشلايم» [مدينة القدس في الاصطلاح العبريّ]، حيث تكثّف العنف، وزاد عدد الإصابات والاعتقالات، وساد حسّ عامّ من فقدان الأمل.

ناتجًا عن ذلك؛ مقولة التمسّك بالمسجد الأقصى، أي الأمل في الانتصار بالنسبة إلى المقاومة الفلسطينيّة، وأيضًا ازدياد العمليّات والاشتباكات على الحواجز في الضفّة الغربيّة، وأيضًا احتجاج الفلسطينيّين في أراضي 48، والاشتباك على نقاط محطّات شرطة عدّة وشوارع رئيسيّة.

وأحاول من خلال هذهِ الخلفيّة، قراءة المُجريات العينيّة والتشكيلات داخل الهبّة، في باقة الغربيّة التابعة تاريخيًا إلى قضاء طولكرم، حيثُ شاركت ونظرت ورصدت أيّام الهبّة المتتالية، وأجد هذه الأيام مقدّمة لفصل سياسيّ جديدة في باقة الغربيّة خاصّة وفلسطين عمومًا.

من عددٍ ضئيل إلى الانفجار

داخل هذا السياق، شهدت باقة الغربيّة مظاهرة حاشدة في إطار دعوة «لجنة المتابعة العليا للجماهير العربيّة»، عام 2020، رفضًا لـ «صفقة القرن»، إلّا أنّ هذه المظاهرة لم يقصدها العديد من الشرائح والأطياف في البلدة، بل شارك فيها العديد من المتظاهرين خارج البلدة، وقد تبيّن أنّ علاقة المؤسّسات تتأزّم في صلتها مع الشباب وشرائح أخرى، حيث إنّها لا ترى فيها تمثيلًا سياسيًّا ولا تعبيرًا هويّاتيًّا، ولا تمنحها اعتبارًا كبيرًا، ويتخلّل ذلك أيضًا العلاقة المتأزّمة بالبلديّات والمجالس المحلّيّة، حيث لا يقع ضمن أولويّات أغلبها سؤال الهويّة الفلسطينيّة العربيّة وصقلها؛ ممّا يزيد من حدّة اغتراب الشباب عن البلدة والمؤسّسات الّتي على الأقلّ تسعى إلى تمثيله. وعند الحديث عن الانتقال المفاجئ من عدد ضئيل إلى ما يشبه الانفجار، علينا أن نتعاطى مع سؤال المؤسّسات ومدى جدوى مسعاها إلى تمثيل شرائح عديدة، والنظر إلى باقة الغربيّة مدخلًا لفهم ما يجري في فلسطين التاريخيّة، وليس فقط ضمن حدود الخطّ الأخضر.

في تاريخ 8 أيّار (مايو)، قبل يومين من هبوب رياح «العاصفة»، دعت اللجنة الشعبيّة إلى تظاهرة جانب مسجد أبي بكر الصدّيق [أحد دوّارات البلدة الرئيسيّة]، إثر التطوّرات في حيّ الشيخ جرّاح، والاقتحام الأوّل للمسجد الأقصى في تاريخ 7 أيّار (مايو) تحديدًا والأيّام السابقة، محاولةً لمنعِ تجمّع المصلين واخافتهم من  القدوم والاعتكاف داخل المسجد الأقصى في ليلة القدر، وفشلت القوّات الاسرائيليّة، وقدم أكثر من 80 ألف فلسطينيّ.

وفي صباح 10 أيّار (مايو)، اقتحمت القوّات الإسرائيليّة المسجد الأقصى، وقمعت البلدة القديمة بأكملها، يتخلّل ذلك باب العامود؛ بهدف الإخلاء لإنجاح المسيرة السنويّة والرمزيّة، الّتي تحتفل في يوم «توحيد يروشلايم»، وشهد صباح اليوم عنفًا شديدًا من قِبَل قوّات الاحتلال وإصابات عديدة. والتصعيد استمرّ من قِبَل قوّات الاحتلال، إلى أن صعّدت المقاومة الفلسطينيّة، عند تهديدها بتهدئة الأوضاع في القدس، وإلّا فستضطرّ إلى الدفاع عن المقدّسات. ثمّ بدأت الدعوات في أراضي 48 بالتظاهر والاحتجاج على تصعيد الاحتلال في القدس، وأيضًا العدوان على قطاع غزّة.

وبعدَ أن شاهدَ الفلسطينيون في بثٍ مباشر ما حدثَ في المسجد الأقصى صباحًا انطلقت الدعوات مجددًا وجاءت في الشكلِ والمضمون كما كانت سابقًا. على سبيل المثال، اللجنة الشعبيّة في باقة الغربيّة دعت إلى المظاهرة بخفوتٍ تامّ كما في السابق، ولم بتوقّع أحد هذهِ الحشود والشباب، وأيضًا حدثَ أمرًا مشابهًا في قرى وبلدات ومدن الداخل المحتلّ، وأخص الذكر أن المفاجأة إزاء ممارسة الشباب، هو إصرارهم على الاشتباك.

وهذهِ المفاجأة، ترتبط في حديثنا عن المؤسّسات والأطر (المجالس المحليّة والمدارس والأحزاب واللجان الشعبيّة)، حيثُ فقدت تواصلها تمامًا مع أحزمة الفقر الّتي تراكمت في العقدين الأخيرين منذُ انتفاض الفلسطينيين داخل الخطّ الأخضر عام 2000. خاصّة أننا نستطيع فهم ما يجري بالنسبةِ لخيارات الشباب، مع تعاظم الجريمة المنظّمة لتصبح بدورها فُسْحَة للعيش، حين أصبح السلاح أداة إنتاج، وتراكم رأس المال لدى الشابّ، يستطيع منه أن «يعمل»، ودور المؤسّسات الغائب، في عدم المحاولة الجادّة لحمل مسؤوليّة هذه الأحزمة، كأولويّة راهنة عند بدايات تشكّلها، وأخصّ الحديث عن البلديّات والمجالس المحلّيّة والأحزاب، الّتي تكوّنت داخل الأخضر على يد منظومة استعماريّة استيطانيّة. ولكنّي لا أقصد بذلك توجيه اتّهام، إنّما فقط رصد بدايات فقدان التواصل.

بالتالي، وجود هذه الأحزمة الفقيرة بكثافة، في مختلف البلدات، الّتي تشعر بأنّها غير مهمّشة وغير فاعلة وهي تزداد عددًا، جعل من تتالي الأحداث في القدس، أمرًا حيويًّا بالنسبة إليها، ولا سيّما ما يتعلّق في معنى «العيش بكرامة»؛ إذ إنّ الدولة الحاليّة، لا توفّر لديهم الحدّ الأدنى من «العيش بكرامة»، ولا أقصد فقط مادّيًّا، إنّما أيضًا دينيًّا وثقافيًّا ولغويًّا، وغير ذلك من شعور الإهانة اليوميّة، الّذي يتجسّد في فقدان التواصل مع المحيط الخارجيّ، والمؤسّسات داخل البلدة، ومؤسّسات الدولة، والحيّز العامّ..

وفي مساء هذا اليوم تحديدًا، 10 أيّار (مايو) أدركت هذه الأحزمة أنّ أولويّتها الأولى والأخيرة هي استعادة  وجودها، من خلال إحداث اختراق في ما يسمّى «النظام العامّ»، وعدم الانضباط وفقًا لما تمليه الأجهزة الأمنيّة الاستعماريّة، الّتي تسيطر وتهيمن على المساحات العامّة، وتضبط «النظام العامّ»؛ ما يجعل المواجهة تحتدم أيضًا ضدّ جميع أشكال القمع ومساحاته، الّتي فقدَ المجتمع السيطرة عليها، ومحاولة ضبطها وفقًا لمصالحها هي جميعًا، الّتي فشلت المجالس والبلديّات في صنع نظام عامّ، يتوافق مع هذه القطاعات الشبابيّة ومصالحها وإرادتها.

ملاحظة عن الاشتباك

حينما نتحدّث عن البدايات، علينا أيضًا التساؤل حيال الطرق والتكتيكات الّتي اعتُمِدَت أثناء الاحتجاج والاشتباك، ومن ضمن ذلك مواقع حصولهما. على سبيل المثال، اتّخذت باقة الغربيّة احتجاجها ضدّ محطّة الشرطة داخل البلدة، بجانب أحد دوّارات الشارع الرئيسيّ، أساسًا.

وبدأت من خلال دعوة للجنة الشعبيّة لمظاهرة بجانب دوّار مسجد أبي بكر الصدّيق، وكما قلنا هذه الدعوات عادةً ما يستجيب لها مجموعات قليلة من الفاعلين في البلدة. ولكن في ذلك اليوم تحديدًا، بعدما تداخلت معاني النكبة برموز الأمل والسيادة، حفّزت المئات من الشباب والشابّات والرجال والأطفال، على المشاركة في المظاهرة بشكل كبير.

انتقلت التظاهرة في 10 أيّار (مايو) من تظاهرة حاشدة، وانفجارٍ يصرخ بأعلى صوته ضدّ منظومة الاستعمار، إلى اشتباك بالحجارة وإشعال النيران واستخدام المفرقعات ضدّ محطّة الشرطة، ورفض التسليم عند المحتجّين باستمراريّتها، كأنّهم أدركوا أنّها ليست واقعًا أبديًّا، بل هي تعبّر عن شروط وظروف سياسيّة من الممكن كسرها، وإعادة تشكيلها، وهذا الإدراك يبرز أمامنا في الإصرار على الاشتباك على مدار أربعة أيّام.

هذا الإدراك يتجسّد أيضًا من «تشابك الممارسة»، بين ما حدث في باقة الغربيّة كمثال، وبين كفاحات الفلسطينيّين سواء في غزّة أثناء «مسيرات العودة الكبرى» و«هبّة باب الأسباط» أثناء وضع البوّابات الإلكترونيّة، وأيضًا «مواجهات باب العمود»، وغير ذلك، استطعت رصد تلاقح الممارسة النضاليّة؛ ويأتي ذلك من خلال استخدام الأدوات والطرق البسيطة للاشتباك وإنهاك العدوّ من أمامك، في رمي الحجارة، والمفرقعات الناريّة والخيوط الناريّة (الّتي رأيناها في أثناء «مسيرات العودة»)، وحرق الكاوتشوك (المطّاط).

مثالًا على ذلك، في حديثي مع أحد المحتجّين في اليوم الثاني، 11 أيّار (مايو)، سألته عمّا يجعله يقف في الصفوف الأماميّة للاشتباك، مع تزايد قنابل الغاز [الّتي غطّت قسمًا مركزيًّا وحيويًّا في الشارع الرئيسيّ، بين دوّار أبي بكر الصدّيق ودوّار خلّة الديك، وهذه المساحة تعجّ في السائرين والمتاجر والنساء والأطفال]، لفتَ بشكل مباشر إلى ما حدث مع المقدسيّين بعد رمي الشرطة لقنابل الغاز، "أمسكَ المقدسيّ بها وهي بجانبه، ورمى بها نحو رجال الشرطة وهذا ما يدفعه إلى الاستمرار، رؤية بطولات الفلسطينيّين الآخرين".

في اليوم الثاني والثالث والرابع [11 و 12 و 13 أيّار (مايو)] حينما اشتدّت الأمور في غزّة والمدن الساحليّة واللدّ وجدتُ كثافةً وحدّة أكثر وإصرارًا على هدفِ إنهاك القوّات والشرطة ومحاولة لإخراجهم من البلدة عبر إحراق المحطّة، كمهمّة ضروريّة، من أجل الشهداء والمصابين، وأيضًا ازدياد التهديد على الأفراد الفلسطينيين من مجموعاتٍ يمينيّة وفاشيّة، واشتداد الاشتباك دفع بتكافل اجتماعيّ؛ الهيئات الرسميّة في البلدة علمًا أنّها وقفت ضدّ الاشتباك داخل البلدة، ممّا قد ينتج عنه من خسارات للبلدة والمتاجر وغير ذلك، إلّا أنّها حاولت قدر الإمكان أن تحاور الشباب، وألّا تعمل على منعهم بالقوّة. الإيجابيّة في هذا الأمر، هي الانصياع إلى مطلب الشارع وإن لم تكن تقف بجانبه، وأيضًا تواجد المسعفون في البلدة، خاصّة مع الأيّام المتتالية للاشتباك؛ لمساعدة المختنقين والمصابين من الرصاص المطّاطيّ بشكل مباشر، وأيضًا العديد من المتطوعين قاموا باقتناء البصل بكمّيّات، وإعدادها للشباب بعد رمي قنابل الغاز، بالإضافةِ إلى فتح البيوت في الحارات عند لحظة الهروب من الرصاص المطّاطيّ، وغير ذلك من مظاهر، دفعت بها الهبّة؛ لتعزيز أشكال الوحدة في البلدة.

الانتماء الذي أحدثتهُ هذهِ الأيّام أكثر ثباتًا ومتجذرًا، من محاضراتٍ منفردة أو خطاباتٍ ومواعظ يستمعُ إليها الشابّ، حيثُ أنّ الممارسة فعليًا والاشتباك، أيقظت مفاهيم الانتماء والتكافل في البلد، بأبسط معانيها الإنسانيّة. وأضف إلى ذلك، أن فلسطين الهويّة والعلم والألوان استطاعت أن تكون الكلمة الجامعة، وهذا أيضًا رأيناه في مظاهر الهبّة الاحتفاليّة التي تعبّر عن نصرٍ جزئيّ وانحلال اغترابهم شيئًا فشيئًا عن الواقع، عند قيام الشباب، إبراز العلم الفلسطينيّ في الحيّز العامّ، على الأعمدة، على الأشجار، على الدوّار، وغير ذلك، ومنجز الهويّة الجامعة، العربيّة الفلسطينيّة، في هذهِ الهبّة، هي الأكثر أهميّة وفيها الأثر الأطول.

. . .
رابط مختصر



اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر