لو لم يستشهد لتنّفس الحرية اليوم..انتهاء محكومية الأسير الشهيد وليد دقة

وليد دقة


  • الاثنين 24 مارس ,2025
لو لم يستشهد لتنّفس الحرية اليوم..انتهاء محكومية الأسير الشهيد وليد دقة
الأسير الشهيد وليد دقة

انتهت اليوم الإثنين 24 من مارس/آذار 2025 محكومية الأسير الشهيد وليد دقة الذي ارتقى في الأسر قبل نحو عام أثناء تواجده في المستشفى متأثرا بمرض السرطان.

وكتبت زوجته سناء سلامة على حسابها في فيسبوك، "اليوم كان المفروض يكون يوم حريتك يا وليد. اليوم انتهوا 39 عام من الإعتقال، لكنك لست حرا، ولا حتى تحت التراب، أنت في ثلاجات الموت في مشرحة أبو كبير.. أنت تسكن احلامي يا وليد.. لا أتذكر من تفاصيل الحلم الأخير إلا جملة واحدة قلتها، وكنا نتناقش أنا وأنت عن غزة، أتذكر فقط أنك قلت "هؤلاء رجال الله.." ويثير فضولي الآن معرفة الحوار الذي ربما دار بينك وبين رفيق أسرك السابق عندما عدتما وإلتقيتما هناك في ثلاجة الموت في أبو كبير. لا بد أنه كان حوار السماء حول الخير والعدل والإنسانية في مواجهة الشر المطلق لأعداء الإنسانية. كن في خير وسلام أينما كنت يا أعز وأطيب قلب".

استشهاد وليد دقة

وفي 7 من أبريل/نيسان 2024، أعلنت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، في بيان مقتضب، عن استشهاد دقة (62 عاما) داخل مستشفى "آساف هروفيه" جراء سياسة الإهمال الطبي المتعمد و"القتل البطيء التي تتبعها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى المرضى.

وكانت الحالة الصحية للأسير الشهيد وليد دقة قد تدهورت في آذار/مارس 2023 وذلك بعد تشخيصه بسرطان التليف النقوي في 18 ديسمبر/كانون الأول عام 2022، وهو سرطان نادر يصيب نخاع العظم.

وأنهى الأسير الشهيد وليد دقة محكوميته الأولى في آذار/مارس 2023 ولكن كانت المحكمة الإسرائيلية في بئر السبع قد زادت على حكمه عامين إضافيين وذلك بادعاء ضلوعه في قضية إدخال هواتف نقالة ليتواصل الأسرى مع عائلاتهم. وبناء على ذلك، صار تاريخ تحرره الجديد هو 24 آذار 2025. 

وقالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني في بيان صدر عنهما بعد ارتقاء وليد دقة إن الأسير الشهيد وليد دقة عانى في السجون الإسرائيلية من سياسات التعذيب والتنكيل والحرمان والعزل.

وأضافت الهيئة ونادي الأسير في بيان مشترك، "الأسير دقة أحد أبرز قيادات الحركة الوطنية الأسيرة في سجون الاحتلال، ومن بين أقدم الأسرى المعتقلين منذ ما قبل توقيع اتفاقية (أوسلو)، حيث رفض الاحتلال على مدار العقود الماضية الإفراجَ عنه ضمن أي صفقات أو عمليات تبادل تمت مسبقًا".

وتابع البيان، "إنّنا ننعى قائدًا وطنيًا، ومفكرًا صلبًا أمضى حياته من أجل قضيته الأولى فلسطين، وترك إرثًا وطنيًا وفكريًا خاصًا حمل هويته. واجه دقة سياسات التعذيب والتنكيل والحرمان والعزل، بالإضافة إلى الجرائم الطبيّة المتتالية (عملية القتل البطيء) إلى أن أُعلن عن استشهاده اليوم".

وأردف، "كان من المفترض أنْ يكون تاريخ حريته في 25 من آذار 2023، بعد 37 عامًا من الاعتقال، إلا أنّ الاحتلال أضاف على حكمه عامين آخريْن ليصبح حكمه 39 عامًا، رغم الكشف عن إصابته بمرض سرطان الدم، والذي تطور إلى مرض سرطان نادر يعرف (بالتليف النقوي)، جراء الجرائم الطبية التي استمرت بحقّه".

وأضاف، "تعرض دقّة لانتكاسات متتالية منذ شهر آذار العام الماضي (2023)، وتوالت هذه الانتكاسات جراء استمرار الجرائم الطبية الممنهجة ضدّه، وعمليات النقل إلى ما تسمى (بعيادة سجن الرملة)، حيث أمضى معظم فترة اعتقاله مؤخرًا، في ظروف بالغة الصعوبة. وبعد السابع من أكتوبر، أقدمت إدارة السّجون على نقله إلى سجن (جلبوع)، ثم أعادت نقله مجددًا إلى (الرملة) وتتالت عمليت نقله مرارًا إلى مستشفى (أساف هروفيه) لاستمرار انتكاساته الصحيّة . وقد واجه دقة، كما آلاف الأسرى الفلسطينيين، ظروفَ الاعتقال الوحشية غير المسبوقة بعد السابع من أكتوبر، وحُرمت عائلته من زيارته، ولم تتمكن من التواصل معه منذ ذلك الحين".

وفي بيان كان قد صدر عن العائلة قبيل استشهاد دقة، قالت عائلته في حينه إنه، "خضع لعملية استئصال جزء من رئته اليمنى في 12 نيسان 2023".

وكانت لجنة الإفراجات الإسرائيلية الخاصة بأسرى المؤبدات قد رفضت الإفراج المبكر عن الأسير الشهيد وليد دقة في يونيو/حزيران 2023 أي بعد تشخيص إصابته بالمرض بنحو 6 أشهر.

وانطلقت حملات ووقفات عديدة في أراضي48 خلال الأعوام الأخيرة للمطالبة بالإفراج عن الأسير الشهيد وليد دقة قبل ارتقائه في الأسر.

جثمان الشهيد وليد دقة

وبعد ارتقاء الأسير الشهيد وليد دقة رفضت السلطات الإسرائيلية الإفراج عن جثمانه.

وفي يونيو/حزيران 2024، قرر وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت عدم الإفراج عن جثمان الشهيد الأسير وليد دقة من مدينة باقة الغربية والإبقاء على الجثة محتجزة وفقًا لما ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم".

وعقب القرار، قدم مركز عدالة الحقوقي قد التمس بالنيابة عن عائلة وليد دقة للمحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بالإيعاز لكل من مصلحة السجون الإسرائيلية والشرطة الإسرائيلية بتسليم جثمانه إلى أسرته من أجل أن يوارى الثرى على الفور ودون مماطلة. 

في الالتماس الذي قدّمه كلّ من المديرة القانونية لمركز "عدالة"، د. سهاد بشارة، والمدير العامّ لـ"عدالة"، د. حسن جبارين، أكّد على أن كلّ من مصلحة السجون الإسرائيلية وشرطة إسرائيل يؤخرّان بشكل غير قانوني وغير دستوري تسليم جثمان الفقيد إلى أجل غير مسمّى، منتهكين بذلك الحقّ في الكرامة لكلّ من الفقيد وأسرته بلا أي صلاحية وخلافًا لسلطة القانون. 

وسلّط الالتماس الضوء على سلسلة الانتهاكات التي تورّطت بها مصلحة السجون في هذا الملف: إذ أنها لم تكتفِ بمنع أسرة الفقيد من زيارته لأكثر من نصف سنة رغم معرفتها بأنه يعاني من مرض عضال، إلا أنها لم تبلغهم أيضًا بنقله إلى المستشفى صبيحة يوم وفاته بسبب تدهور حالته الصحية، ولم يوفّروا لهم إمكانية زيارته في ساعاته الأخيرة، حتّى أنها لم تقم بإبلاغ الأسرة بوفاته ولم تزودها بشهادة وفاة. 

وأوضح الالتماس أنه لا يوجد قانون إسرائيلي يسمح لمصلحة السجون الإسرائيلية والشرطة الإسرائيلية باحتجاز جثمان الشهيد ولا يوجد تشريع صريح يقضي بسماح السلطات الإبقاء على جثمان المتوفى في حالات كهذه. وعليه، فإنّ الإبقاء على جثمان وليد دقة لهو فعل يتعدّى كونه غير قانوني فقط بل يهدف إلى الإساءة للعائلة والفقيد.

من جانبه، أفاد مركز "عدالة" أنه، "لم تكتفِ مصلحة السجون والشرطة بالانتهاكات الدستورية العديدة والأفعال الانتقامية بحقّ الأسير الشهيد وليد دقة وعائلته، في حياته ومماته، من منعه من رؤية أسرته أو إعلام الأخيرة بمستجدات وضعه الصحي، إلى هدم خيمة عزائه وتفريق الحاضرين بالقوة واعتقال بعضهم وهم في حالة حداد، لتروّع  أهل الفقيد بحرمانهم من دفنه بشكل لائق. إن تكاتف أذرع الأمن المختلفة ما هي إلا امتداد لسياسة عنصرية مقيتة تمعن في الإساءة والأذى".

وفي أيلول/سبتمبر 2024، ردت المحكمة العليا الإسرائيلية في مدينة القدس الالتماس المطالب بالإفراج عن جثمان الأسير وليد دقة من مدينة باقة الغربية.

وأشارت المحكمة إلى أن "قرار وزير الأمن كان معقولا ومتوازنا، وبالتالي لا يوجد مكان للمحكمة للتدخل بالقرار المتخذ".

من هو الأسير الشهيد وليد دقة؟

اعتقل الأسير دقة، في 25 من آذار/ مارس 1986 إلى جانب مجموعة من الأسرى في أراضي48، بتهمة انتمائه إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وانتسابه لخلية اختطفت جنديًا إسرائيليًا وقتلته.

ووجهت المحكمة الإسرائيلية للأسير دقة عدة تهم، وهي حيازة أسلحة ومتفجرات بطريقة غير قانونيّة (حسب التصنيف الإسرائيلي) واتهمته بالقيام بعمليات داخل الأراضي الفلسطينية عام 1948.

وحُكم على الأسير وليد دقة بالسجن المؤبد والذي جرى تحديده لاحقًا بـ(37) عامًا، وأضيف عليه عام 2018 حكمًا بالسجن لمدة عامين ليصبح (39) عامًا.

وفي عام 2018، أصدرت المحكمة المركزية الإسرائيلية في بئر السبع قرارًا يقضي بإضافة عامين إضافيين على حكم الأسير وليد دقة، بحجة إدخاله هواتف نقالة للأسرى الأمنيين، حيث سينهي الأسير دقة محكوميته بموجب هذا القرار في عام 2025 بدلًا من عام 2023.

ولم تستأنف عائلة الأسير دقة على قرار المحكمة الإسرائيلية الذي صدر عام 2018 بسبب عدم ثقتهم بجهاز القضاء الإسرائيلي بحسب العائلة.

في باقة الغربية، تربّى ونشأ

ولد الأسير وليد دقة في الثامن عشر من تموز/يوليو عام 1961 في عائلة فلسطينية بمدينة باقة الغربية بأراضي48، والمكونة من 3 شقيقات و6 أشقاء، ويعتبر أحد أبرز الأسرى في السجون الإسرائيلية.

ودرس وليد دقة في مدارس المدينة، وأنهى دراسته الثانوية في باقة الغربية، ولكن لم يحالفه الحظ في إكمال تعليمه والالتحاق بالجامعة، ولذلك انتقل إلى العمل في إحدى محطات تسويق المحروقات.

وعانى الأسير وليد دقة خلال أسره من التعذيب النفسي والجسدي، وتنقل خلال سنوات اعتقاله إلى سجون متعددة، حيث تدهورت حالته الصحية في السجن وعانى من بعض الأمراض في الدم والتي شًخصت أخيرًا بـ"اللوكيميا".

ويصف الأسير وليد دقة السجن في إحدى كتاباته بأنه "مكان سيء وهو أحقر اختراع صنعته الإنسانية لمعاقبة الإنسان، والسجن، كمؤسسة شمولية، لا يستهدف السجين بصورة عامة، وإنما الإنسان الفرد، كتفاصيل حياة ومعالم ومميزات شخصية".

تعليمه الجامعي..وإنتاجاته الأدبية

ورغم السجن، برز وليد دقة كسياسي ومثقف وواحد من أبرز من كتبوا داخل السجون حول الحالة الفلسطينية، ومن أبرز ما أصدره الأسير دقة في السجن، "الزمن الموازي"، "ويوميات المقاومة في مخيم جنين"، "وصهر الوعي"، و"حكاية سرّ الزيت"، و"حكاية سرّ السيف".

وتعرض الأسير دقة لجملة من السياسات التنكيلية على خلفية إنتاجاته المعرفية بشكل خاص، وسعت إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية مرارًا لمصادرة كتاباته وكتبه الخاصة، كما وواجه العزل الإنفرادي، والنقل التعسفي.

ولم يتوقف نشاط دقة على القراءة والكتابة، وإنما شارك في كافة أشكال المواجهة مع السجان الإسرائيلي بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام، ونتيجة لدوره اللافت وتأثيره على الأسرى أقدمت مصلحة السجون على عزله مرات عديدة في زنزانة انفرادية.

وواصل وليد دقة تعليمه فأنهى دراسته الجامعية في السّجن، وحصل على درجة الماجستير في الديمقراطية السياسية، من خلال الانتساب عن بعد إلى الجامعة العبرية المفتوحة.

زواج الأسير دقة

وارتبط الأسير وليد دقة عام 1999 بزوجته سناء سلامة، واحتفلا داخل أروقة سجن "عسقلان" بحضور عائلتيمها بحفل زفاف نقلته وروته أشهر الصحف والقنوات الفلسطينية، وامتد لـ 3 ساعات، من الساعة 11 صباحًا حتى 2 ظهرًا.

وبحسب سلامة، فقد صرحت في مقابلات صحفية سابقة أنها عرفت وليد دقة قبل زواجهما بـ 3 أعوام عندما كانت تكتب في صحيفة "الصبّار" التي تصدر في يافا، كتابات معظمها تتناول أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، حيث قامت بزيارة وليد في الأسر لتستقي منه المعلومات حول أحواله هو والأسرى الآخرين عن قُرب أكثر.

وقالت في تصريح سابق، "فوجئت من مدى ثقافته ومتابعته الأخبار بالخارج عن كثب، وأعجبت جدًا بشخصه وفكره، وبعد زيارتي الأولى له بأعوام أخبرني أنه في تلك الزيارة كان قد عرف وقرّر أنني الإنسانة التي يريدها أن تشاركه حياته".

ومنذ ذلك الحين، فكّر الزوجان بالإنجاب، وبقيا اثنا عشر عامًا يحاربان في أروقة المحاكم الإسرائيلية لنيل قرار يسمح لهم بالإنجاب، ولكن السلطات الإسرائيلية كانت ترفض هذا الطلب لأسباب أمنية.

وبسبب تعنت السلطات الإسرائيلية، قرر الزوجان إنجاب طفل عبر النطف المهربة من السجن، حيث هُربت نطفة من الأسير وليد دقة وزرعت في رحم زوجته سناء سلامة بتاريخ 27/5/2019 لتولد بعد تسعة أشهر بتاريخ 3/2/2020 ميلاد وليد دقة.

وبحسب سلامة في مقابلة صحفية سابقة، فإن ولادة ميلاد كانت أشبه بثورة شعبية، ورغم قرارها ووليد بألا يظهر خبر حملها للإعلام حتى يتم الإنجاب، إلا أن السلطات الإسرائيلية أجبرتهما  على أن ينتشر الخبر دون قصد منهما، حيث كان هناك نوع من التفاهم الشفهي بين وليد دقة وإدارة السجن بأن يبقى على تواصل مع زوجته عبر الهاتف إلى أن تضع مولودتها ليطمئن على أوضاعهما، ولكنهم قاموا بنقله إلى عزل سجن مجدو قبل موعد الولادة بأسبوع، الأمر الذي اضطر سناء سلامة لإخبار تلفزيون فلسطين، لتغطية الحدث عبر شاشتها الفضائية، ليصل الخبر إلى وليد في عزله.

وانتقمت "إسرائيل" من وليد دقة بعد معرفتها بحمل زوجته، حيث بدأت السلطات الإسرائيلية بالانتقام منذ لحظة إعلان حمل سناء، إذ مُنعت سلامة من زيارة زوجها وليد دقة ومن التواصل كي لا يطمئن وليد على صحتها وصحة جنينها في حينه، حتى وصلت إجراءات مصلحة السجون إلى منع وليد من رؤية صور طفلته ميلاد لوقت طويل بعد ولادتها، وكان السجانون يسعون لسحب الصور منه دائمًا.

كما منعت السلطات الإسرائيلية وليد دقة من رؤية ابنته ميلاد لفترة طويلة ورؤيتها وجهًا لوجه بعد ولادتها، ورفضت تسجيلها على اسمه "ميلاد وليد دقة".

 

 

. . .
رابط مختصر



مشاركة الخبر