الأحزاب العربية انتصرت؟! على مين؟

   


  • الأربعاء 9 نوفمبر ,2022
  • 180 مشاهدة
الأحزاب العربية انتصرت؟! على مين؟
الكنيست

 

 

تصريحات رؤساء الأحزاب العربية في الأيام الأخيرة عن الانتصار الكبير فيها مغالطة وتضليل. قادة تحالف الجبهة/التغيير ومعهم أوساط من قادته وأتباعه يرون بنتيجة خمسة مقاعد في انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين انتصار. إذا كانت المقارنة بين "الخمسة كراسي" وبين الاستطلاعات(4 مقاعد) أو المراوحة على حافة نسبة الحسم عشية يوم الانتخابات والفزعة المربكة الاستجدائية فإن النتيجة "انتصار". 

لكن المقارنة الحقيقية تظهر "خسارة": في جولات انتخابية سابقة فازت الجبهة متحالفة مع العربية للتغيير بـ ستة مقاعد، إذن تراجع هذا التحالف بـ مقعد واحد علاوة على الصورة المخدوشة لـ حزب عريق يطلب النجدة كي لا يغرق. والذي لا يقل أهمية أن التيار الأحمر( الحزب الشيوعي/الجبهة) فقد الريادة التاريخية للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل منذ نكبة 1948 ومنذ انتخابات الكنيست الأولى عام 1949 لصالح التيار الأخضر : القائمة العربية الموحدة فازت بنحو 190 ألف صوت بينما الجبهة متحالفة مع التغيير فازت بنحو 160 ألف صوت. في جولات انتخابية سابقة نجحت الموحدة بتجاوز الجبهة بعدد المقاعد وعدد الأصوات في عدة مرات ولكن وقتها لم تكن الموحدة تمثّل الحركة الإسلامية (الشق الجنوبي) فحسب بل كانت "الموحدة" توليفة أحزاب شملت العربية للتغير إياها أو الحزب الديموقراطي العربي أو كافتهم معا. في 2022 فازت الموحدة كـ كحركة إسلامية لوحدها بدون حلفاء على الحزب الشيوعي والجبهة رغم تحالفها مع العربية للتغيير وهذا فارق جوهري كبير . وهذا ما دفع رئيس العربية للتغيير للقول إنه أنقذ الجبهة من هذه الناحية علما أنه طالما كان يقول فيما مضى إن قوته تبلغ خمسة وستة مقاعد أحيانا. 

المشتركة أسقطت نتنياهو أم أسقطت الموحدة؟

كانت الموحدة هي التي بادرت لـ الانشقاق عن المشتركة وتحويلها لـ ثلاثية قبل نحو عامين من أجل خوض تجربة "النهج الجديد" وترجيح كفة التأثير على كفة التمثيل وقد بدأت بتحقيق بعض المكاسب المدنية لكن هذه لم ترتق لـ مستوى وعودها الانتخابية في مختلف المجالات. في المقابل كانت المشتركة الرباعية ولاحقا الثلاثية قد رفعت شعار إسقاط نتنياهو وسقط نتنياهو أكثر من مرة لعدة أسباب من بينها قوة المشتركة وبهمة الناخبين العرب. لكن المشتركة الثلاثية (جبهة وتجمع وتغيير) عادت لتقول إن حكومة بينيت/لابيد أسوأ من حكومات نتنياهو وشاركت في إسقاطها. بالتزامن وقبل شهور قليلة حذرّت الموحدة وبحق من أن المشاركة في إسقاط الحكومة (إضافة لـ أداء غيداء ريناوي ومازن غنايم وعيدين سيلمان وغيرهم) ستفضي لـ انتخابات جديدة من شأنها إعادة نتنياهو مجددا ومعزّزا مع فاشيين أشد عنصرية مما شهدناه حتى اليوم، وهذا ما حصل فعلا. إذن نجحت المشتركة الثلاثية في إسقاط لابيد وبينيت والأهم إسقاط الموحدة من الإئتلاف لأنها أحرجت "المشتركة" أو أوساط واسعة فيها. غيرة معظم قادة المشتركة من اقتراب "الموحدة" من إمكانيات التأثير في قضايا مهمة للمجتمع العربي دفعتهم للسعي لـ كسر يد الموحدة حتى وبثمن كسر كلتا يدي المشتركة نفسها. زاد منسوب الغيرة في المشتركة من الموحدة في ظل تنامي تيار واسع في الشارع العربي يريد التأثير ويؤيد مقولة علينا المشاركة في صناعة القرار في إسرائيل(نتيجة عدة عوامل منها تردي السياسة وازدياد المشاكل الحياتية إلحاحا) فيما لم تنجح المشتركة بـ إقناع الجمهور كيف تؤّثر بشكل جوهري وحقيقي من صفوف المعارضة البرلمانية( المقصود ليس "شغلة هون وعملة هناك"). وبالتالي "نجحت" المشتركة الثلاثية بـ المساهمة في عودة نتنياهو السادس مدججّا بمن يستعد للتصعيد ضد الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر وربما نرى سموطريتس وزيرا للتعليم (التعليم العربي أيضا) وبن غفير وزيرا للأمن الداخلي. هذا انتصار بطعم الخسارة ليس من ناحية تراجع عدد المقاعد فقط من 15 مقعد إلى ستة مقاعد إنما من ناحية تعميق وزيادة خلافات المجتمع العربي نحو حالة صداع داخلي. ناهيك عن زيادة التهديدات المتّمثلة بدخول الفاشيين دائرة صناعة القرار الإسرائيلية وكل ذلك لعدم وجود رؤية سياسية متبّصرة مع برنامج عمل ومع سلم أولويات يغلّب المصلحة المشتركة للجميع على مصالح حزبية وشخصية. ولدت المشتركة سفينة كبيرة ومهيبة وقادها ربانها في مسار التايتنيك منذ انطلقت عام 2015 لعدم الحرص على تأمين الرؤية والبرنامج المفقود 2015. وبما يتعلق بالحركة العربية للتغيير ألا يشمل التغيير تغيير رئيسها الثابت منذ 1999 لصالح بناء حركة سياسية حقيقية وديموقراطية بمشاركة أجيال جديدة؟ 

العملية نجحت والمريض مات

في المقابل امتازت الموحدة بوضوح رؤيتها السياسية رغم النقاش والاعتراض عليها فقد قامت على فكرة التأثير والمشاركة في اللعبة الإسرائيلية بدل الاكتفاء بمشاهدتها من المدرجات وسط إغفال للقضية السياسية الفلسطينية الأم وتفرعاتها. لكن الموحدة أيضا لا تستطيع أن ترتاح وتختال بـ أكاليل الغار والانتصار رغم أنها في المقدمة بعدد المقاعد والأصوات فهي الآن مضطرة للعودة لـ مدرجات المعارضة دون مشاركة في اللعبة بعدما تبين أن لعبة "بيضة القبان" غير مضمونة، يمكن أن تكون مفيدة أحيانا لكنها بالتأكيد ليست استراتيجية وفي حال فقدان حالة التعادل بين معسكرين متصارعين على الحكم تفقد "اللعبة" معناها. رغم الانتصار وزيادة قوتها بمقعد فهي أقرب لمقولة "العملية نجحت والمريض مات" من ناحية فكرة التأثير. 

ولا يقل أهمية من ذلك هو حاجة الموحدة لـ جرد حسابات جدوى جامع فقد قدّمت من لحم روايتنا وعظم حلمنا الجماعي مقابل الحصول على حقوق مواطنة لم تتحقق في معظمها. لن نقول إن "الموحدة" أخذت من الآخرة لصالح الدنيا لكنها أفرطت في مغامرة قدمّت فيها قطعة من أمسنا وغدنا لصالح يومنا الراهن ولاحقا تبين أنها رضيت بـ البين الإسرائيلي والبين ما رضي فيها". 

لا نبالغ إن قلنا إن أحد أسباب خروج المارد الفاشي من القمقم وتعاظم قوة زعران "الصهيونية الدينية" هو استغلال مشاركة "الموحدة" في "حكومة التغيير" للتحريض الديماغوغي على الإئتلاف "الضعيف المعتمد على الإخوان المسلمين" وكأن العمليات الفلسطينية في الخضيرة وتل أبيب لم تكن لتحدث لو بقيت الموحدة في المعارضة. 

هذا رغم مواقف وتصريحات متهادنة بلغت حد الاعتراف بيهودية الدولة مما يقود لـ سؤال ملح هل توجد فرصة لمثل هذه التجربة أن تنجح في ظل استمرار الصراع الكبير بين الشعب الفلسطيني وبين سالب حقوقه؟ تبدو تجربة المشاركة في إئتلاف إسرائيلي حاكم سابقة لـ إيوانها وارتكبت أخطاء كثيرة خلال تطبيقها، في أقوال وأفعال بالغنى عنها.

 برلمان وميدان

والسؤال الآن ماذا وكيف تفعل الموحدة وهي تعود لجانب الجبهة/التغيير في المعارضة؟ هل تعارض أم تدخل في سباق مع الجبهة/التغيير في محاولة التأثير الموضعي وشبه السري بالتعاون العيني مع حكومة نتنياهو السادسة؟ وهل تكتفي الأحزاب التي أرسلت سفراءها للكنيست بما يقومون به أم تعيد للميدان اعتباره؟

أما التجمع الوطني الديموقراطي فقد قيل عنه إنه مني بخسارة بطعم الفوز. وربما يستحق التجمع على أكثر من هذا المديح بفعل النتيجة الكبيرة ولكن هو الآخر يحتاج لمراجعة نقدية عميقة وحقيقية كي يبقى على قيد الحياة ويستعيد عافيته ويتطور بعد مسيرة اضمحلال فقد فيها شعبيته. لا يمكن تحميل الآخرين فقط مسؤولية عدم تجاوز نسبة الحسم للمرة الأولى منذ 1996 أو تشخيص ما حدث بـ الإشارة لـ"ليلة المؤامرة" فحسب فقد سبقتها أحداث وأخطاء شارك فيها التجمع بنفسه. ما حصل في الساعات الأخيرة في تلك الليلة تتحمل الجبهة بالأساس مسؤوليته خاصة أنها الأخت الكبرى في البيت لكن مشاركة التجمع في نقاش إجرائي حول المحاصصة على ما هو غير جوهري ( تراجع الجبهة عن اتفاق النصف كرسي إلى ثلث كرسي)ساهم في تدحرج الأزمة وتوسيع باب الخلاف وقبل ذلك كان التجمع قد أعلن في مؤتمره العام قبيل الانتخابات بشهور عن خيار "التيار الثالث" مما زاد الحالة التباسا وتشككّا حول وجهته الحقيقية. التجمع أيضا شريك في تعثّر سفينة المشتركة تنظيميا وسياسيا وينتظر منه توضيح بعض الأسئلة منها كيف سنبلغ "دولة كل مواطنيها" دون شراكات مع جهات يهودية؟ ماذا يفعل في البرلمان الإسرائيلي بعد تحييد نفسه مبدئيا من لعبة المصالح فيه وربما يكون من الأجدى العمل من خارجه فقط لاسيما أن كثير من الجهات الصهيونية تتجه مستقبلا لشطبه ومنعه من المشاركة في انتخابات الكنيست. 

حنفية الكنيست

رغم استفادته من "تصويت احتجاجي" على ما ذكر أعلاه يستفيد التجمع اليوم ثقة شعبية واسعة فهل يسارع لـ استثمارها بالعودة لضخ الحياة في فروعه والعودة لمشاريعه الخاصة بـ "دولة كل مواطنيها" والرواية والهوية وبالشباب الكثر ممن يبحثون عن فكرة وعن بيت دافئ وعن منبر؟ هل يعطي الأولوية لـ مشاريع عصامية تعتمد على تمويل ذاتي لا على حنفية الكنيست وعلى ميزانيات مرهونة سياسيا من خارج البلاد؟ هل يتحرر التجمع من "النبرة العالية" لدى بعض أوساطه المتمثلة بـ "نحن فقط الحركة الوطنية"؟

إن توفرت الإرادة توفرت الطريق وإن كانت ليست سهلة،فالأرض خصبة وتنتظر من يبذرها ويفلحها والتطلع إلى موسم الحصاد القادم فهذا أفضل من البقاء عالقين في نقاش لا مخرج منه وبات غير ذي صلة بالنسبة للجمهور الواسع حول ليلة تفكيك المشتركة. 

المال السياسي

وهذا ينطبق على نقاش حول المال السياسي فمن كان بيته من زجاج فلا يرمي الآخرين بالحجارة فالكل في الهواء سواء فقد سبق وحازت أوساط مقربة من الجبهة والتجمع على دعم جهات يهودية أمريكية(جمعية الأهالي عام 1999) أو عربية وفلسطينية وهذا ينسحب على الموحدة والإسلامية وعلى العربية للتغيير بأشكال مختلفة(مصادر عربية وفلسطينية) والمال السياسي – مصادره وغاياته وشفافية إدارته وغيره --موضوع جدير بفتحه للنقاش في مناسبة أخرى طالما أنه يجبى بـ اسم الشعب كله.

وفي ذروة الخريف الحالي تستدعي التجارب الأخيرة أن تخلع الأحزاب العربية عنها صورتها القديمة ولغتها ومصطلحاتها وأدوات عملها المتكلسة وأن تتجدد شكلا ومضمونا وهذا يحتاج لأن يضع كل حزب نفسه أمام المرآة "مراية أليسا" لمعاينة ندوبه ما فعلته الشيخوخة وغيرها من المفاسد فيه..تمهيدا للإصلاح والبناء والتقويم.. والغلبة لمن يلتفت للشباب. أما الفزعة ونداءات الاستغاثة فيبدو قد استنفدت نهائيا(خاصة بعدما استخدمت في فترة حكم نتنياهو وحكم خصومه) ولن تكون طوق نجاة لأحد في انتخابات قادمة ستأتي مع المزيد من علامات السؤال حول قيمة العمل البرلماني العربي بصورته الحالية.

 

. . .
رابط مختصر



مشاركة الخبر