مقالات

لماذا قررت سلطة الآثار الإسرائيلية الإعلان عن اكتشاف آثار مسجد في النقب الفلسطيني؟

مقالات


  • السبت 24 سبتمبر ,2022
لماذا قررت سلطة الآثار الإسرائيلية الإعلان عن اكتشاف آثار مسجد في النقب الفلسطيني؟
مسجد بئر السبع الذي تم اكتشافه

نشرت سلطة الآثار الإسرائيلية قبل مدة قريبة، خبر اكتشاف مسجد في مدينة رهط العربية في النقب بالداخل الفلسطيني، معتبرة إياه من أقدم مساجد فلسطين؛ كما نشرت منذ أيام خبر اكتشاف مزرعة كبيرة فخمة ضمت بيوتا وآبار ماء وغرفا بعضها مبلط بالرخام، مما يشير إلى أن الحديث عن عائلة غنية مرموقة عاشت في المكان. وقد عرف الموقع بحسب مواقع نقلت الخبر كقصر يعود تاريخه إلى 1200 سنة (المعلومات حول الموقع ما زالت أولية). هذان الاكتشافان يضافان إلى اكتشاف سلطة الآثار الإسرائيلية مسجدا آخر في أرجاء المدينة المذكورة قبل حوالي سنة يعود تاريخه إلى فترة مجاورة.

بحسب المنقبين في سلطة الآثار فإن اكتشاف المسجد يعتبر حدثا هاما يمكن من خلاله أن نطلع على جوانب عديدة، ويخبرنا عن دخول الإسلام إلى المنطقة وعن أسلمة السكان وعلاقة المسلمين مع السكان المحليين وطبيعة الحياة في تلك الفترة.

وبحسب مواقع الأخبار -نقلا عن المشرفين على الحفريات- فإن الحديث يدور حول مسجد قروي يعود تاريخه إلى القرن السابع أو الثامن الميلادي، مما يجعله أحد المساجد النادرة في الشرق الأوسط والعالم بحسب ادعائهم، وخاصة في المنطقة التي تقع شمالي بئر السبع، حيث لم يتم اكتشاف مبنى مماثل له من قبل؛ مضيفين أنه في هذه الفترة كانت هناك مساجد كبيرة في القدس ومكة، ولكن ما تم اكتشافه هو دليل على وجود موقع عبادة قديم يرجح أن الفلاحين في المنطقة استخدموه للصلاة.

وللحقيقة فإن هذا الاكتشاف مهم جدا، وهو بذلك يضاف الى مساجد عديدة وثقت واكتشفت في النقب الفلسطيني، قلما أُلقي لها بال أو نالت اهتماما. هذا المسجد وبحسب اطلاعي والدراسات التي قمت بها، وبرغم أهميته وقيمته التاريخية والأثرية العالية جدا، هو ليس بمسجد نادر كما يزعمون، فقد قمت بتوثيق 26 مسجدا آخر من الفترة الإسلامية المبكرة ضمن إعدادي لرسالة الدكتوراه التي تناولت موضوع عمارة وعمران المساجد في الأردن وفلسطين (638-1917)، من ضمنها “اكتشاف والتحقق” من 3 مساجد قمت به بنفسي.

تسليط الضوء على هذه المساجد، وما تحمله من قيمة تاريخية وثقافية واجتماعية، يحتاج منا مقالات ودراسات عديدة؛ وهو بحق موضوع يحتاج منا وقفات ووقفات يمكننا من خلاله إعادة النظر وفهم انتشار الإسلام في جنوب أرض فلسطين بل وفي المنطقة جمعاء، الموضوع الذي بات يلقى اهتماما كبيرا في حقل البحث الأثري وحتى لدى الباحثين الإسرائيليين الذين منهم من خصص له دراسات كاملة.

ارتأيت في هذا المقال أن أسلط الضوء على “الاكتشافات” التي تصدرت وسائل الأخبار في الفترة السابقة، وعلى سلوك سلطة الآثار الإسرائيلية وكيفية تصديره على أنه الحدث الأعظم والاكتشاف الأهم. ولعلي في هذه الكلمات أحاول استكمال الصورة وإيصال الحقيقة المخفية التي لم تنقل لنا مع الخبر ولعله أريد لها أن تبقى مخفية.

هل الكشف عن المسجد والمزرعة كان مصادفة؟

في البداية لا بد أن نشير إلى أن اكتشاف المسجد والمزرعة جاء ضمن “حفريات إنقاذ” وهي التي تأتي بهدف تحرير المواقع وإجازتها لعمليات التطوير والبناء بعد أن يُكتشف فيها آثار أثناء الأعمال الإنشائية؛ أي أنها ليست حفريات خطط لها وتمت عن قصد بهدف البحث العلمي بل إنها حفريات ملزمة بحسب القانون الإسرائيلي، وذلك على أثر اكتشاف آثار فيها، ليتم بعد ذلك التقرير إما أن يحرر المكان لأعمال البناء والتطوير أو يحجز إذا عثر فيها على شيء “مهم” بحسب رأي السلطات المعنية.

كون اكتشاف هذه المساجد ضمن حفريات “إنقاذ” يعني أن الكشف كان مصادفة وليس نتاج حفرية خُطط لها، علما بأن غالبية الحفريات المنظمة بهدف البحث وتتم في الداخل الفلسطيني على يد المؤسسات الإسرائيلية أو شركائها من معاهد بحثية غالبا ما تعنى بالفترات التي سبقت الفترات الإسلامية، وقلما نجد حفريات مخصصة من جهات أكاديمية أو رسمية تعنى ببحث وحفر الآثار الإسلامية بصورة موجهة، إلا إذا كانت هذه الآثار ضمن موقع أقدم حوى بداخله بعض الطبقات الإسلامية والتي غالبا ما تتم إزالتها بهدف الوصول إلى “المهم”.

من خلال دراستي الموسعة لهذه المواقع وجدت أن معظم المساجد من الفترة الإسلامية المبكرة بالداخل الفلسطيني، وخصوصا التي في النقب وغالبا ما كشفت خلال حفريات الإنقاذ، لا تتوفر حولها معلومات موسعة. هذه المواقع في أحيان كثيرة تم جرفها وإزالتها بعد اكتشافها ليمر من فوقها شارع أو تبنى فوقها عمارة. كما أنها لم تلقَ الاهتمام اللائق، وحتى الآن لم ينشر حول غالبيتها التقارير والمعلومات الوافية، لتبقى هذه المواقع شبه مغيبة.

هناك الكثير من العبث بتاريخ المنطقة والفترات الإسلامية، وخصوصا الفترة الإسلامية المبكرة. هذا التاريخ يصور وفق الرؤية السائدة التي سطرها المستشرقون وتصور العرب والمسلمين على أنهم غرباء عن الأرض والذين جاؤوا ليحتلوا أرض الآباء والأجداد، بل وأحدثوا دمارا وخرابا في هذه البلاد وقضوا على الازدهار الذي كان في الفترات الذهبية السابقة “أي الفترة الرومانية والبيزنطية” باعتبار هؤلاء الباحثين والمستشرقين ورثة الحضارة الغربية المزدهرة.

هل الترويج للكشف عن آثار المسجد اعتباطي؟

إسرائيل -بالإضافة إلى كونها تعيش هاجس السيطرة على المكان وفرض سيادتها على كافة أرض فلسطين- فإنها تعيش هوسا إضافيا يتلخص في عملية تهويد البلاد وفرض سلطانها من خلال “قوننة” هذه السيطرة وإضفاء الشرعية والموضوعية على أعمالها.

القانون الإسرائيلي ليس إلا أداة لتنفيذ أهداف معينة وهو ليس معيارا أخلاقيا يعكس قيما ومعايير اجتماعية، وهو بذلك مجرد أداة يتم تغييرها حين لا يلائم الأهداف العليا. المؤسسة الإسرائيلية  تقوم بتسخير كافة الأطر والمؤسسات لخدمة الهدف وهو تهويد أرض فلسطين وتاريخها، الأمر الذي لابد وأن يرتبط أيضا “بسلطة الآثار” كونها جسما حيويا لا يمكن فصله عن المؤسسة الإسرائيلية، وإنما هو يتماشى مع مصالح المؤسسة الإسرائيلية العليا؛ هذه المؤسسة ذاتها التي شاركت وما زالت تشارك ليل نهار في طمس وتدمير الآثار العربية بل وجرف عدد لا يحصى من المقدسات ونبش وانتهاك العديد من المقابر، الأمر الذي قمنا بتوثيقه في كتاب “الرموز اليهودية والمقدسات الإسلامية بين التقديس والتدنيس” وكما هو حال مقبرة مأمن الله الإسلامية العريقة في القدس والتي نُبشت بغرض إقامة “متحف التسامح” أو مقبرة الرملة أو كفر سابا والزرنوقة وغيرها العديد العديد من المقابر، والقائمة تطول.

هذه المؤسسة ذاتها التي تدَّعي المحافظة على الآثار تقوم بتدنيس وانتهاك مساجد أثرية عريقة وتمنع ترميمها، وليس حال المسجد الأبيض في الرملة -والذي يعتبر من أقدم وأعظم مساجد الإسلام- بأفضل حال، والذي تعرض مرارا وتكرارا لاعتداءات ويمنع ترميمه رغم قيمته التاريخية العظيمة. وكذلك مسجد طبريا الجامع الذي صور لسنوات عديدة على أنه سوق روماني ليتبين مؤخرا أنه المسجد الجامع وليبقى المكان متروكا مهجورا لا يلقى اهتماما، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: ما الغرض من كشف سلطة الآثار عن مثل هذه المكتشفات حديثا والترويج لها إعلاميا!

عند بحثنا الموضوع يجب أن نميّز بين أمرين:

سلطة الآثار هي جسم سلطوي بكل معنى الكلمة، يهدف إلى تحقيق الأهداف السلطوية للمؤسسة الإسرائيلية ولخدمة مصالحها العامة، في حين أن هناك بعض الباحثين القلائل المتأثرين من مدرسة “ما بعد الحداثة” أو أتباع المدرسة “الواقعية” الذين يسعون إلى التحرر من “الأيديولوجيا الصهيونية وفلكها” والقيام بالبحث “الموضوعي” المتجرد من الأبعاد السياسية، بل وتنحية السياسة جانبا، الأمر الذي قد يتعارض والمصلحة العليا للمؤسسة، ليقابل هؤلاء الباحثون غالبا بالإقصاء والنبذ.

العالم اليوم أصبح عبدا لثقافة الإعلام التي توجّه فكره وتصرفاته من خلال استعمالها لعنصر التشويق والإثارة بغرض أسر “الإنسان” ضمن إملاءاتها  والحدود التي تحدها له، وبالتالي يمكن النظر إلى التناقض الموجود بين الكشف عن هذه المواقع وبين أعمال المؤسسة الإسرائيلية ومساعيها لتهويد المكان، بل حتى نبش المقابر وتدميرها، بأنها تقوم بإشغال الرأي العام بين الفينة والأخرى بمكتشف هنا أو هناك والتي تنحصر جميعها داخل إطار “الحقبة العربية لتاريخ أرض إسرائيل” مسلطةً عليه كل الأضواء ليصبح هذا الاكتشاف هو “الحدث اللامع” مغيبين عن الساحة حقيقة طمس وتجريف الآثار العربية على مر السنين ليتم من خلال ذلك التعبئة الفكرية من خلال التكرار المتعمّد وتسليط الأضواء على “الاكتشاف” ليرسخ في الأذهان موضوعية الأعمال التي تقوم بها المؤسسة وليصبح جزءا لا يتجزأ من العقل اللاواعي للإنسان الذي يُشبّع مرارا وتكرارا، في حين لا تتوانى المؤسسة ذاتها عن تحقيق مخططاتها.

في ظل الحملة الشرسة التي تقوم بها هذه المؤسسة على كل ما هو عربي وإسلامي بالبلاد في محاولة لاجتثاثه من الوجود؛ وفي ظل الانتهاكات المستمرة للمقابر والمقدسات الإسلامية؛ فقدت المؤسسة الإسرائيلية مصداقيتها وموضوعيتها إثر رصد ومتابعة وكشف هذه الانتهاكات التي تقوم بها من قبل المؤسسات الإعلامية والناشطين الفلسطينيين وفضحها عالميا، لا سيما في ظل تداعيات عصر العولمة وتطور وسائل الاتصال التي جعلت العالم بأسره كينونة واحدة منكشفة للجميع، مما آل بالمؤسسة الإسرائيلية إلى أن تبحث عن “أحداث ” أو “كشف” تحاول من خلاله أن تروج نفسها كجسم “موضوعي”، في حين برعت المؤسسة ذاتها -ومن خلال سياسة التسويف والمماطلة والعمل المستمر وفق مخططات مدروسة على مدار عقود- في فرض سياسة الأمر الواقع (التزوير التاريخي).

وهنا أرى أن الجدل الذي تحدثه المؤسسة الإسرائيلية عبر الكشف عن هذه “المكتشفات” -والتي لم تكن سوى آثار كشف عنها بالمصادفة من خلال حفريات الإنقاذ- إنما هي دعاية تقوم المؤسسة من خلالها بإضفاء مصداقيتها على عملها من جهة، وفي المقابل تستمر في عمليات التهويد التاريخي والأثري الصامت في أرض فلسطين.

هل التزايد والكشف عن الآثار الاسلامية أمر طبيعي؟

كما أسلفنا فإن المؤسسة الإسرائيلية، وعلى مر السنين منذ قيام دولة إسرائيل، عملت على إزالة وجرف المعالم العربية والإسلامية من البلاد. كما قامت بجرف الطبقات “غير المهمة” -أي الطبقات الأثرية الإسلامية- بغرض الوصول إلى “المهم” أي ما هو دون الإسلامي، وتحديدا الآثار التي تتبع للفترات البرونزية والحديدية التي يطلقون عليها “الفترات التوراتية”، في محاولة لحصر تاريخ أرض فلسطين بتاريخ الشعب اليهودي، لتأتي في السنوات الأخيرة وتقوم ذات المؤسسة “بالكشف” عن الآثار الإسلامية وتشجيع القيام بالأبحاث الأثرية الجمالية والفنية، وما ذاك إلا لتحصر تاريخ فلسطين -على امتداد الفترات الإسلامية- في الفتات القليل الذي أبقته البلدوزرات، وبذلك تفرض صورة مغايرة للواقع من خلال تقزيم الحضارة الإسلامية والعربية في أرض فلسطين وعرضها من خلال بواقي البواقي التي لا تعكس إلا الشيء الضئيل من الحقيقة، ولتقدم الرؤية المنقوصة على أنها “كل” الصورة الحضارية للفترة الإسلامية، وفي ذلك مراوغة من المؤسسات الإسرائيلية، فهي تقوم بـ “عملها الموضوعي” من خلال الكشف عن الآثار الإسلامية في أرض فلسطين (بواقي البواقي) أو عن بعض أعمال التزييف الأثري لتضفي على نفسها المصداقية، مانحة نفسها الشرعية لإكمال عمليات التهويد ما دامت تقوم بعمل “موضوعي” كما تفرض التصور المشبوه للحضارة الإسلامية وفق “بواقي البواقي” لتنفي الحق العربي والإسلامي في أرض فلسطين.

المؤسسة الإسرائيلية، وبعد أن فقدت مصداقيتها عالميا -على مستوى الشعوب- إثر الهجمة الشرسة لاقتلاع كل ما هو عربي وإسلامي في أرض فلسطين، مدمرة المقدسات ومعتدية على المقابر، وفي محاولة منها لتهويد الأرض والإنسان وذاكرة المكان، بحثت عن ما تحفظ من خلاله ماء وجهها من خلال الكشف عن بعض الآثار في محاولة منها لكسب بعض المصداقية المفقودة، في حين تستمر في انتهاكاتها للمقدسات والآثار الإسلامية بغية طمس هوية أرض فلسطين وعلى رأسها القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك.

. . .
رابط مختصر


عبد الرازق متاني

مختص في آثار وتراث القدس وأرض فلسطين


اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر