مقالات

العدوان على غزة، الجهاد، وسؤال العملاء

مقالات


  • السبت 13 أغسطس ,2022
  • 1077 مشاهدة
العدوان على غزة، الجهاد، وسؤال العملاء
غزة (أرشيفية)

لن تتوقف إسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده مع اختلافات بينية في نوعية العدوان ذلك أن مجرد وجود الشعب الفلسطيني وبقاء قضيته حية بالضرورة يشكل قلقًا وجوديا لإسرائيل باعتبارها كيانا قائم على انقاض شعب حي يزداد يومًا بعد يوم عددًا وعُدةً.

شكلت اتفاقية أوسلو أحد أهم المخارج التاريخية لإسرائيل وذلك باعتراف منظمة التحرير فيها بيدَّ أنَّ فصائل ناجزة ومؤثرة كحركتي حماس والجهاد الإسلامي رفضتا هذا الاعتراف وإن انخرطت الأولى في المحادثات السياسية الناجمة عن الاتفاق كالمشاركة في انتخابات البرلمان الفلسطيني وإحداثِ تغييرات لافتة في ميثاقها التاريخي بيدَّ أن ما قدمته هذه الحركة من قوافل من الشهداء ابتداء من قادتها العِظام المؤسسين وحتى كوادرها جعلها تتربع مكانة خاصة في النفس الفلسطينية وجعل واقعيتها السياسية ذات أهمية في جدل العلاقات المحلية والإقليمية والتناقضات التي تعتور هذه العلاقات في الوقت ذاته راكمت هذه الحركة من قوتها وقد تبين للاحتلال في سيف القدس وفي الحروب التي سبقت كم هذه الحركة قوية الجانب وفي ذات السياق راكمت حركة الجهاد من قوتها العسكرية بيدَّ انها لم تستطع ان تحيل هذه المراكمات الى ثقل سياسي وهو ما بدا واضحا هذه المرة في صدها للعدوان على الاحتلال الإسرائيلي وقوته الكبيرة ذلكم أن الأمين العام لحركة الجهاد سعى لتحويل هذه المعركة إلى منجز سياسي يراكم من خلاله تمكينه في القطاع وفي الضفة الغربية والشتات إذ أن معادلات الداخل الفلسطيني لا تقل أهمية عن المعادلات ذات الصلة مع القضية، سواء كانت إقليمية أو دولية وهذه هي المساعي من القيادة السياسية تجلت بوضوح في مطلبها بالإفراج عن السعدي أحد كوادرها السياسية وهو ما سيحيل في الذاكرة الفلسطينية إلى أن هذه الحركة تُقدر رجالها ولا تتردد في فتح مواجهة أو رد عدوان من أجل هذه القيادات.

صحيح أن الحركة فقدت خيرة قياداتها الميدانية بيدَّ أن طبيعة الحركات الجهادية مستعدة لمثل هذه الخسائر وهو ما لا يدركه الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر اغتياله للقيادات إنجازًا كبيرًا سيحيل الحركة إلى واقع هش مشلول.

العدوان على غزة الذي باشر به الاحتلال نهار الجمعة فاجئ حركة الجهاد الإسلامي رغم أن معالمه كانت شديدة الوضوح منذ صبيحة يوم الإثنين المنصرم حيث اعتقل القيادي السياسي في الحركة بسام السعدي ابن جنين واستشهاد أحد كوادر الحركة، بل سبق ذلك تصريحات وتحليلات من كبار المعلقين العسكريين وقيادات عسكرية وسياسية من الدرجة الأولى، كوزير الحرب بيني غانتس ورئيس الوزراء لبيد وقائد هيئة الأركان كوخافي.

الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه على غزة هذه المرة راكم تجارب سابقة خاضها واستفاد منها سواءً على مستوى القطاع او الضفة الغربية أو حتى الداخل الفلسطيني.

في هذا التحليل لن أتناول الخلفيات المتوقعة لهذه الحرب وما تخدم من القوى المحلية والإقليمية وعلاقة ذلك بإيران وحزب الله من جهة وعلاقة ذلك مع القوى التي تتأسس راهنًا من جهة أخرى (راقب ردود الفعل العربية والأجنبية وخاصة تركيا وعموم الدول السنية).

في الوقت الذي كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف المدنيين في غزة كما مواقع الجهاد كانت قوات مماثلة تعمل على الأرض في الضفة الغربية اذ ان الاحتلال وفقا لما استفاد منه من تجارب المواجهات مع الفلسطينيين في السنوات الأخيرة الحرب على عدة جبهات داخلية، كانت هذه الحملة بيانًا لها وتجلى ذلك في المواجهة صبيحة يوم الثلاثاء الفائت في البلدة القديمة في نابلس وارتقاء ثلة من قادة شهداء الأقصى يتقدمهم إبراهيم النابلسي قائد كتائب شهداء الأقصى الجناح المُسلح لحركة فتح، تلكم الحركة التي قادت العملية السياسية واوصلت الشعب الفلسطيني إلى ما وصلت اليه عبر انشاء سلطة فلسطينية دفعت بعضًا من المخلصين في حركة فتح لتجديد الفعل المقاوم وهذا موضوع يحتاج الى قراءة داخل حركة فتح وما يدور فيها. وقد جاءت هذه الحملة بعد ضمانها التهدئة التي رعتها مصر وقطر والأردن وهذا بحد ذاته من الدروس التي تستوجب الوقوف على عتباتها.

ذكر موقع N12 الإسرائيلي أن هذه العملية احتاجت إلى معلومات استخباراتية دقيقة جدًا تمامًا كما ذكرت شخصيات عسكرية إسرائيلية أن مقتل القيادات الجهادية في غزة احتاج كذلك إلى معلومات استخباراتية دقيقة فما يعني هذا المصطلح في هذه الحرب الدائرة على عدة جبهات ومستويات.

يعتبر سؤال المعلومات الاستخباراتية النوعية مفتاحًا مركزيًا في فهم جدل المقاومة بين الاحتلال وقوى المقاومة الفلسطينية وهو ما يحيل إلى السؤال المركزي المتعلق بالعملاء ونجاح الاحتلال في دمج المعلومات الميدانية مع القدرة السايبرية وقد كانت النتيجة في هذا العدوان صفر من المفقودين او المقتولين او المجروحين من العساكر الإسرائيلية وهذا الموضوع بحد ذاته يحتاج ممن يؤمن بالمقاومة سبيلًا إلى مزيد من التفكير والقراءات فكما أن الاحتلال يطور باستمرار من قدراته السايبرية الأمنية والاستخباراتية ويطور علاقاته في تجنيد العملاء الفلسطينيين (طبعًا هذا لا يعني أن إسرائيل لم تخترق العالمين العربي والإسلامي وما يرشح من أخبار عن حجم الاختراقات الإسرائيلية في طهران وكيف استغلت زواج المتعة لتحقيق اختراقات على اعلى المستويات هناك موضوع قائم بذاته) وهذا أحد الدروس المركزية التي يجب على المقاومة الاستفادة منها.

الاحتلال يدفع الشعب الفلسطيني وخاصة شبابه إلى الزاوية وإلى الاحتقان وهو ما سيدفع قريبًا إلى الانفجار في وجه الاحتلال كما السلطة التي شكلت في السنوات الأخيرة جسرًا للاحتلال لقتل المقاومين بغض النظر عن الفصيل الذي يتبعه فبدلًا من أن تكون السلطة أداة تحرر استحالت الى ذراعٍ أمني يخدم الاحتلال ومن نافلة القول السؤال عن دور السلطة واذرعها الأمنية في استشهاد كوكبة من شهداء الأقصى يوم الثلاثاء الفارط في البلدة القديمة في نابلس.

العملية التي حدثت يوم الثلاثاء اعتبرها الاحتلال دقيقة ومحكمة بسبب عدم سقوط أي ضحايا او إصابات في الجيش وجهاز الشاباك وتصفية المقاومين دفعت لبيد الى الإعلان عن أن هذه العملية مُرَكزة جدًا ما زال الاعلام الإسرائيلي وسيل من التحليلات السياسية والأمنية تتفاخر بالعدوان وما سبقه وما تبعه من عمليات رافقت سلاسة دخول المستوطنين الى المسجد الأقصى. ولقد جاءت هذه العمليات (في نابلس) كما يصرّحون ضمن عملية كاسر الأمواج التي تتسم بالاندماج التفاني والعسكري والاستخباري السايبر والميداني ومنذ بداية هذا العام وصل الشهداء في الضفة الغربية إلى 84 شهيدًا وكاتب هذه السطور يرى ان العدوان على حركة الجهاد جاء ضمن هذه الموجة، موجة كاسر الأمواج، وبموافقات عربية، ودولية وفلسطينية..

العدوان على غزة: المعادلة الثابتة..

تخاف إسرائيل من غزة وترتجف فرائصها منها رغم انها تحاصرها بمعية عربية ودولية فما وصلت اليه المقاومة رغم الحصار والحروب يشكل حالة شاذة في المشهد السياسي-الأمني. والاحتلال الإسرائيلي بات يعلم يقينًا ان غزة تشكل ليس حجر عثرة لا يمكن تجاوزه، بل حالة من الالهام والتقدير لكل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده والحصار المستمر فرض شعبيًا نوعًا من التماهي والمناصرة لهذا القطاع لذلك كانت المعادلة الثابتة إسرائيلياً اتجاه القطاع شن حروب متتالية تقتل فيها البشر وتدمر البناء والعمران وتهدم النفوس فيما يلعب بعض العرب دور “الوسيط” بينهما في مشهد سريالي معيب يندى له جبين كل حرٍ وشريف.

ثلاث حقائق ترسم خارطة العلاقة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي، حقيقة ان إسرائيل قامت على انقاض الشعب الفلسطيني وحقيقة ان إسرائيل تستبيح الشعب الفلسطيني قتلًا وتهجيرًا وتشريدًا وحصارًا واعتقالا لتحيل غزة إلى معتقل كبير وتحيل الضفة إلى مزرعة استيطانية والحقيقة الثالثة ان هذا الاحتلال مرعوب من الشعب الفلسطيني وقواه الحية وهو يعلم انه لن ينجح في إخفاء الشعب الفلسطيني وكل عمل يقوم به سيكون له رد فعل ولا يمكنا تكهن المرحلة القادمة من المواجهات مهما بلغت قوة الاستخبارات الإسرائيلية فقد كشفت لنا السنوات الخوالي ان المواجهات لا تتوقف تضعف تتراجع ثم تعود بزخم كبير.

الاحتلال بدوره يستغل كل فرصة أي كانت متواضعة لمزيد من التمكين السياسي والأمني والعسكري ولذلك وجدناه يُفاجئ حركة الجهاد في بدء المعركة يوم الجمعة الفائت ولكن في المُقابل فاجأت حركة الجهاد ومن خلفها المقاومة الاحتلال بسيل الصواريخ الذي اطلقته على الداخل وهو ما يقلق العديد من المحللين العسكريين من ذوي الصلة بالعلوم الاجتماعية والمدركين للنفسية الإسرائيلية.

هذه المفاجئة، أي زخم الصواريخ التي اطلقت على إسرائيل ومدنه المركزية في وسط البلاد التي هي عصب إسرائيل الحي، وإن لم تؤدي الى سقوط ضحايا إسرائيليين فإنها كانت حمالة رسائل خاصة تلكم التي سقطت في تل ابيب ومحيطها، ومحيط مدينة القدس وهذا معناه ان ثمة قُدرات لدى الحركة تتطور، فتطور القدرة الصاروخية لحركة الجهاد وقصفها العمق الإسرائيلي من جهة وتسييرها مسيرة باتجاه محطات الغاز في اشدود وفقًا لبعض الراصدين الإسرائيليين يحمل دلالات كبيرة في أي حرب قادمة قد تكون شامل تشارك فيها كافة القوى العسكرية الفلسطينية .ولذلك وجدنا في تصريحات عديدة لعسكريين متقاعدين تحدثوا عن خطورة هذه الصواريخ في أي معركة مستقبلية خاصة مع وجود خاصرة ضعيفة اسمها المجتمع المدني الإسرائيلي رغم انه مجتمع مجندـ بالمطلق للعسكر ويبارك ويؤيد كل عملية تستهدف الانسان الفلسطيني والشعب الفلسطيني..

يبقى موضوع العملاء الأكثر قلقًا للفلسطينيين عموما ولحركات المقاومة خصوصا فهم الخاصرة الضعيفة التي لطالما لعبت دورا اساسيًا في تغيير معادلات، بل وقلبها رأسًا على عقب خاصة في مسيرة النضال الفلسطيني.

. . .
رابط مختصر



اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة محددة *

مشاركة الخبر